ليحاسبهم سواء كرهوا أم رضوا ذلك. قال ابن عاشور:"والقراءة الأولى- قراءة الضم- على اعتبار أنَّ الله أرجعهم، وإن كانوا كارهين لأنهم أنكروا البعث، والقراءة الثانية- قراءة الفتح- باعتبار وقوع الرجوع منهم بغض النظر عن الاختيار أو الجبر". [1] هذا على اعتبار أنَّ الكلام في قوله: (وإليه تُرْجَعُون) من تتمة كلام الجلود. وأمَّا على معنى أن الكلام مستأنفٌ من كلام الله تعالى فربما تفيد معنىً آخر, وهو أنَّ قراءة (تَرْجِعُون) بالفتح المقصود بها المؤمنون، لأنهم يتمنون الرجوع إلى الله تعالى، كذلك جاءت بصيغة الرغبة والإرادة, والقراءة الأخرى (تُرْجَعُون) على المبني للمفعول المقصود بها الكفار لأنَّهم يتمنون عدم الرجوع إلى الله تعالى، ولذلك جاءت بصيغة الإجبار. [2]
الجمع بين القراءات:
وبالجمع بين القراءتين يتبين المعنى أن الجميع راجعٌ إلى الله تعالى يوم القيامة للحساب سواءً أحب لقاء الله تعالى واختار الرجوع أم كره لقاءه وأُجبِر على الرجوع.
2 -قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} محمد (4)
القراءات:
1.قرأ حفصٌ وأبو عمرٍو، ويعقوب (قُتِلوا) بضم القاف وكسر التاء.
2.قرأ الباقون (قاتَلُوا) بالألف وفتح التاء. [3]
المعنى اللغوي للقراءات:
أصلُ القَتْْلِ: إزالة الروح عن الجسد، كالموت، لكن إذا اعتُبِرَ بفعل المُتَوَلِّي لذلك يُقال: قَتْلٌ، وإذا اعتُبِرَ بِفَوت الحياةِ يُقال: مَوْتٌ. والمُقَاتَلَة: المحاربة وتحرِّي القَتْل، ومثله قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) البقرة (193) . وهي على صيغة المفاعلة [4] التي تعني المشاركة بين طرفي الفعل.
التفسير:
يأمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة المؤمنين بجهاد الكافرين، مع بذل الجهد في قتلهم لتطهير الأرض من رجسهم، حتى لا تبقى لهم شوكةٌ، ولا قوةٌ في الأرض ليكونوا أذلةً صاغرين أمام عزة المؤمنين، كما ويرشدهم سبحانه وتعالى إلى كيفية التعامل معهم في المعارك والحروب وذلك بضَربِ رِقابِ
(1) . انظر التحرير والتنوير م 1 ج 1 ص 377 عند تفسيره للآية (28) من سورة البقرة.
(2) . انظر تفسير الشعراوي ج 1 ص 231، عند تفسيره للآية (28) من سورة البقرة.
(3) . انظر النشر في القراءات العشر ج ص 374، المبسوط في القراءات العشر ص 250.
(4) . انظر مفردات ألفاظ القرآن ص 700.