التفسير:
تتحدث الآية الكريمة عن دليل قدرة الله تعالى على البعث والنشور، والإحياء بعد الإماتة ردًّا على الكفَّار المنكرين لحقيقة البعث يوم القيامة المستبعدين قيام الأجساد يوم المعاد، مع الاستدلال على ذلك بدليل قدرته الواسعة على خلق السموات والأرض, وما فيها بأيسر ما يمكن دون جهدٍ أو تعبٍ، ولم يكرثه خلقهن, بل قال لها كوني, فكانت بلا ممانعةٍ ولا مخالفةٍ، فمن يكون هذا شأنه, أفليس بقادرٍ على أن يحيي الموتى؟. [1]
العلاقة التفسيرية بين القراءات:
قراءة (بِقَادِرٍ) بصيغة اسم الفاعل تدل على ثبوت ودوام صفة القدرة لله تعالى التي لا تساويها قدرةٌ في الماضي والحال، مع التأكيد على نفي ادعائهم وإنكارهم لحقيقة البعث والذي يدل عليه حرف الجر الَّذي سبق الاسم (بِقَادِرٍ) ، قال البقاعي:"وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في حيز (أن) فقال تعالى: (بِقَادِرٍ) أي: قدرةً عظيمةً تامَّةً بليغةً". [2] وقال عند تفسير قوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم) يس (81) :"وأثبت الجار تحقيقًا للأمر، وتأكيدًا للتقرير فقال: (بقادرٍ) أي: بثابتٍ له قدرةٌ لا يساويها قدرةٌ". [3]
وأمَّا قراءة (يَقْدِرُ) بصيغة الفعل المضارع فإنها تفيد استمرار وتجدد القدرة لله تعالى على الإحياء بعد الإماتة في الحال والمستقبل، حيث إنَّ الفعل المضارع يفيد وقوع الحدث في الحال والاستقبال, كما يفيد الاستمرار التجددي والتكرار، [4] وفي ذلك نفي العجز عن الله تعالى من كلِّ وجهٍ وفي كلِّ وقتٍ, كما أنَّ هذه القراءة فيها مزيد بيانٍ لقدرة الله تعالى, وزيادة استدلالٍ على البعث.
الجمع بين القراءات:
وبالجمع بين القراءتين يتبيَّن أنَّ الآية فيها تأكيدٌ على كمال قدرة الله تعالى الواسعة في كل وقتٍ
في الماضي والحال والمستقبل على الإحياء وغير ذلك مما تقتضيه حكمة الله تعالى، مع التأكيد على نفي إنكار الكفَّار لحقيقة البعث، وفي ذلك زيادة توبيخٍ وتقريعٍ للمشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم حيث لم يعرفوا أنَّ الله تعالى الذي له هذه القدرة المطلقة الواسعة قادرٌ على أنْ يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم. [5]
(1) . انظر تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 174.
(2) . نظم الدرر ج 7 ص 144.
(3) . المصدر السابق ج 6 ص 287 عند تفسيره للآية (81) من سورة يس.
(4) . انظر معاني النحو للدكتور فاضل السَّامرَّائي ج 3 ص 287 - 288.
(5) . انظر التفسير الوسيط م 13 ج 26 ص 50.