فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 42

2 -البُعد: اتساع المدى, والبعيد: المتنائي, وفي الدعاء: (بُعْدًا له) أي: هلاكًا له, ويُقال: (أبعَدَهُ الله) : أي نحَّاه عن الخير ولعنهُ. [1]

التفسير:

تتحدث الآية الكريمة عن قوم سبأٍ إذ أنعم الله تعالى عليهم بنعمٍ جليلةٍ عظيمةٍ, ومن ضمنها أنه جعل بينهم في اليمن وبين قرى الشام التي بارك فيها بالماء والشجر قرىً متواصلةً يُرى بعضها من بعضٍ لتقاربها ظاهرةً لأبناء السبيل, وكان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام, وجعل السير من القرية إلى القرية مقدارًا واحدًا نصف يوم, ومكَّنهم من السير فيها متى شاءوا ليلًا ونهارًا آمنين من الجوع والعطش والتعب ومن الأعداء لا يخافون شيئًا. فبطروا هذه النِّعمة وسئموا أطيب العيش, وملُّوا العافية, وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير, فتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا للأسفار, فأجابهم الله إلى ذلك بتخريب تلك القرى وجعلها مفاوز قفارًا وذهب بما فيها من الخير, والماء, والشجر, وفرَّقهم في كل وجهٍ من البلاد. [2]

العلاقة التفسيرية بين القراءات:

تفيد قراءة (ربَّنا بَاعِدْ) بنصب (ربَّنا) على النِّداء, و (بَاعِدْ) بكسر العين وإسكان الدال, أنَّهم ذكروا ذلك على وجه الدعاء والمسألة والطلب, فطلبوا من ربِّهم أنْ يبعد بين أسفارهم بطرًا وأشرًا, وأن يطيل ذلك البعد, بدلالة الألف في (باعد) المقتضية للمد والتطويل. [3]

وأمَّا قراءة (ربَّنا بَعِّدْ) بنصب ربَّنا على النداء, وبَعِّدْ بكسر العين المشددة وإسكان الدال, فإنَّها تفيد أنَّهم ذكروا ذلك على وجه الدعاء أيضًا, إلاَّ أنَّ الشَّدَّة تفيد التكرار والتشديد في الطلب, كأن يقول بعِّد بعِّد, [4] أي: أعظم البعد وشدِّدْهُ, [5] وفي ذلك دلالة على شدَّة بطرهم لتلك النِّعمة وملاحَّتهم على الله بإزالتها.

وأمَّا قراءة (ربُّنا بَاعَدَ) بضم باء ربُّنا, على أنّه مبتدأ و (بَاعَدَ) فعلًا ماضيًا على أنَّ الجملة خبر المبتدأ, فتفيد أنَّ الكلام إخبارٌ من الله تعالى عنهم, أنَّهم شَكُوا بُعْدَ أسفارِهم مع قربها وسهولة سلوكها وصلتها بالقرى, ورأوا أنَّ ذلك غير مقنعٍ لهم, إفراطًا في الترفُّه وعدم الاعتداد بما أنعم الله به عليهم. [6]

الجمع بين القراءات:

القراءات الثلاث تصف أحوال هؤلاء القوم وحقيقة بطرهم قبل أن يحلَّ بهم خراب بلادهم, وذهاب خيراتها, فمنهم مَنْ بَطِرَ النعمة وملَّ العافية, فطلبوا أن يباعد الله بين أسفارهم, ومنهم من شدَّدَ في الطلب

(1) . انظر القاموس المحيط ص 243, المعجم الوسيط ص 83.

(2) . انظر الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 573 - 574, فتح القدير ج 4 ص 453.

(3) . انظر نظم الدرر ج 6 ص 172.

(4) . انظر جامع البيان للطبري م 10 ج 22 ص 58.

(5) . انظر نظم الدرر ج 6 ص 172.

(6) . انظر إتحاف فضلاء البشر ص 459, فتح القدير ج 4 ص 453.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت