لقد مرَّت القراءات القرآنية بمراحل متعددةٍ، بدءًا من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أنزل الله تعالى عليه القرآن على سبعة أحرف، ليقرئ كل قبيلةٍ على حرفها ولغتها تيسيرًا عليهم، ثم نقل الصحابة رضوان الله عليهم وجوه القراءات التي تلقوها من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جمهور المسلمين، بعد حفظها وضبطها، ومن ثمَّ تلقَّاها عنهم التابعون الذين بذلوا الجهود المضنية في حفظها وضبطها، وتعليمها للنَّاس، واستمر الأمر على هذا الحال، كلُّ جيلٍ يسلِّمُ القراءة لمن بعده كما قرأها وتعلمها، حتى كثر عدد القرَّاء في البلاد والأمصار، واختار كلُّ إمامٍ من أئمة القراءات قراءةً ألزم نفسه بها, وأقرأ غيره بها، واختار المسلمون أئمةً ثقاتًا اشتهروا بالعدالة والضبط، وتجردوا للقراءة والإقراء، وأفنوا أعمارهم في خدمته، ليجمعوا قراءتهم عليه، ثمَّ كثر القرَّاء بعد ذلك، وتفرقوا في البلاد والأمصار، وانتشروا في كلِّ ميدانٍ، وخلفهم أُمَمٌ بعد أممٍ، اختلفت صفاتهم، وتعددت رواياتهم، وكثر الاختلاف بينهم، وكاد يلتبس الباطلُ بالحقِّ، فتصدى جهابذة علماء الأمة، للقراءات فمحصوها وميزوا سقيمها وعليلها من صحيحها وسليمها، ثم وضعوا لذلك ضوابط معيَّنةً للحكم على القراءات بالقبول, أو الرَّدِّ، وتمييز الصحيح من الشاذ [1] ، فقسَّم العلماء القراءات القرآنية إلى قسمين رئيسين هما: القراءة المقبولة، والقراءة الشاذة.
وأمَّا القراءة المقبولة فهي القراءة التي توافرت فيها ثلاثة أركانٍ، ويعبِّر عنها ابن الجزري: بقوله:"كل قراءةٍ وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا وصح سندها, فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحلُّ إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على النَّاس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختلَّ ركنٌ من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفةٌ أو شاذةٌ أو باطلةٌ سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة السلف والخلف." [2]
ومن خلال كلام ابن الجزري نلحظ أنَّه حصر ضابط القراءة في ثلاثة شروط يتوقف على توفرها جميعًا في القراءة قبولها، أوردّها إذا اختلَّ شرطٌ من هذه الشروط وهي:
1.موافقة العربية ولو بوجهٍ.
2.موافقة خط أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.
3.صحة السند.
تفصيل الضابط:
1.موافقة العربية ولو بوجه: أي أن تكون القراءة موافقةً لوجهٍ من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضرُّ مثله إذا كانت القراءة ممَّا شاع وذاع، وتلقَّاه الأئمة
بالإسناد الصحيح، ولا يعتد بإنكار أهل النحو لقراءةٍ أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها. [3]
(1) . انظر النشر في القراءات العشر ج 1 ص 9، الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها ص 317، مناهل العرفان ج 1 ص 411.
(2) . النشر في القراءات العشر ج 1 ص 9.
(3) . انظر النشر في القراءات العشر ج 2 ص 10.