لقد كان رد ابن عباس هذا عبارة عن إعلان للمنهج الذي بدأ يسود ذلك العصر في تلقي السنة، ولقد كان في ذلك التثبت إنشاء لعلم جديد من علوم الحديث وهو علم الجرح والتعديل الذي كانت قد وضعت أُسُسه وأصّلت قواعده في الأصلين الكتاب والسنة كما سبق بيانه.
فابن عباس يعلن هنا عن بداية حقبة جديدة للرواية تختلف عن الحقبة السابقة لها، حيث لم يكن يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك الحقبة السابقة إلا من زكاهم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة رضي الله عنهم، الذين لم يكن يستلزم قبول ما يروونه إلا سماعه منهم، أما الحقبة التي يتكلم عنها ابن عباس - رضي الله عنه -، فقد بدأ من لم يكن له لقاء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا صحبة بالحديث عنه - صلى الله عليه وسلم -، وهؤلاء لم يَلْقَوْهُ، فحديثهم عنه - صلى الله عليه وسلم - لابد أن يكون لهم إليه فيه واسطة، ثم إنهم هم أنفسهم ليس لهم شرف الصحبة ولا نالهم تعديل من الله تعالى أو رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم بعد أن دبت الفتنة"وركب الناس الصعب والذلول"كان لابد من معرفة الواسطة المحذوفة في مرسل ذلك التابعي للتوثق من ثقة تلك الواسطة، وذلك بالطبع ـ بعد التوثق من ثقة ذلك التابعي نفسه الذي أرسل الحديث أولًا [1] .
وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال:"ل ... م يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم" [2] ، وقال مالك:"أول من أسند الحديث ابن شهاب" [3] ، وقال ابن عبد البر:
(1) المنهج المقترح لفهم المصطلح ص 29، 30.
(2) مقدمة مسلم ص 15.
(3) مقدمة الجرح والتعديل 1/ 20.