وهذه الألسن وإن كان بينها تقارب كبير إلا أنها مختلفة من حيث المعجم على وجه الخصوص، ولا يكاد يتفاهم الناطقون بها فيما بينهم إلا قليلا، إضافة إلى ما في كل واحدة منها من تنويعات واختلافات تبعا للمنطقة أو حتى القبيلة التي تتداول استعمالها.
وفي دراستنا هذه سنقصر الحديث عن الأمازيغية السوسية (تاشلحيت) لأسباب عدة، منها:
-أنها الأمازيغية التي أتقنها وتنتشر في المنطقة التي نشأت فيها وهي منطقة سوس في الجنوب المغربي.
-أنها اللسان الذي نشط أهله بشكل كبير في التأليف التعليمي أو الترجمة من العربية, كما تشهد على ذلك المؤلفات التاريخية التي سجلت ذلك عنهم. [1]
-أنها المنطقة التي احتضنت في بادية المغرب أكبر عدد من المدارس العلمية المعروفة في زمننا بالعتيقة، والتي اهتم علماؤها بتحفيظ القرآن الكريم وبتدريس العلوم الشرعية خاصة الفقه. [2]
ولذلك سنركز على التأليف والترجمة إلى الأمازيغية السوسية المعروفة بتاشلحيت، مقتصرين على نموذج هو ترجمة رياض الصالحين للإمام النووي التي قام بها الشيخ عبد الله بن علي الدرقاوي الإلغي.
يتميز المغرب بتنوع وغنى لغويين، فبالإضافة إلى اللهجات العربية المنتشرة في مختلف بقاعه، توجد الأمازيغية، ويعتقد أن الأمازيغ الأصليين هم السكان الأقدمون للمغرب استوطنوه منذ عهود سحيقة، وأسسوا به ممالك وإمارات قبل أن تدهمهم الأمم الأجنبية وتسيطر على أراضيهم، حتى جاء الفتح الإسلامي فحررهم من تلك السيطرة، وما لبثوا أن أسسوا دولا وإمارات جديدة تحت راية عقيدة التوحيد التي آمنوا بها، لذلك لم يكن غريبا أن يكون المغرب أول إمارة مستقلة تنشق عن الخلافة العباسية تحت راية العلويين بزعامة إدريس بن عبد الله الكامل وهي في أوج قوتها على عهد هارون الرشيد.
وقد أغنى هذا التنوع اللغوي المغرب وكان عامل قوة في عهود نهضته الحضارية، كما كان سببا في انتشار الإسلام وتمسك المغاربة به منذ القديم.
ومما تنبغي الإشارة إليه أن الأمازيغية لغة وليست عرقا أو قومية، إذ إن الأمازيغ الأصليين اختلطوا قبل الاسلام بأقوام كثيرة، ثم اختلطوا بالعرب الوافدين على المغرب في موجات الهجرة المتوالية منذ الفتح الإسلامي وحتى القرنين الخامس والسادس اللذين شهدا دخول العرب من بني هلال وبني سليم إلى جنوب المغرب، واستيطانهم مناطق كثيرة منه بتشجيع من السلاطين
(1) - منها كتب العلامة محمد المختار السوسي، مثل المعسول في 20 جزءا وخلال جزولة في 4 أجزاء وسوس العالمة .. وغيرها.
(2) - المدارس العتيقة وإشعاعها الأدبي والعلمي بالمغرب، المدرسة الإلغية بسوس نموذجا، المهدي بن محمد السعيدي، ص: 19 وما بعدها. منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الرباط 2006.