الصفحة 9 من 33

أشرنا في ما قبل إلى أن المغاربة الأمازيغ شغفوا باللغة العربية بعد أن اعتنقوا الإسلام واقتنعوا به عقيدة وعملا، وأن محبتهم للعربية جعلتهم يعتنون بها حتى وصلوا في اتقانها مستويات عالية، جعلتهم من المبرزين في معرفتها والتأليف في نحوها وقواعدها. وإذا كان المشرق العربي يعرف من العلماء بالعربية الأعاجم الذين قضوا أعمارهم في خدمتها أمثال سبيويه وأبي علي الفارسي، فإن المغرب شهد نبوغ أمثال ابن آجروم صاحب الأجرومية (ت 723 هـ) [1] وأبي موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي (ت 607 هـ) صاحب المقدمة أو القانون،"وهي كتاب جليل في هذا الفن، قال عنها ابن خلكان في الوفيات ولقد أتى فيها بالعجائب، وهي في غاية الإيجاز، مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يسبق إلى مثلها، واعتنى بها جماعة من الفضلاء فشرحوها." [2]

أشرنا فيما قبل إلى أن الفاتحين الأوائل للمغرب والدعاة السابقين إلى نشر عقيدة التوحيد به، استعانوا باللسان المحلي لنشر الدين وتفقيه المسلمين الجدد في عقيدتهم، ولأن تعليم العربية أولا يقتضي زمنا أطول فقد ظهر نوعان من التعليم:

-تعليم متخصص يقصد به طائفة المتفرغين للتعلم، فيتعلمون اللغة العربية ويحفظون القرآن ويطلعون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلمون بالفقه وأصوله وغير ذلك من العلوم، ويتم تعليم هؤلاء في المساجد والرباطات ثم المدارس والزوايا في مرحلة تاريخية لاحقة.

-تعليم شعبي عمومي يرمي إلى تعليم عامة الناس أسس التوحيد وقواعد الإيمان، ومبادئ الدين التي تمكنهم من أداء الشعائر والتزام المأمورات واجتناب المنهيات، ومجال هذا التعليم هو المساجد وحلقات التعليم في القرى والمداشر وأماكن التجمعات في المواسم السنوية، ويقوم بهذا التعليم الوعاظ والدعاة المتنقلون، وكان هؤلاء يستندون في مخاطبة جموع الناس إلى الأمازيغية، بغية تثبيتهم في دينهم وتمكينهم من عدة فقهية مبسطة، ونتيجة لعمل هؤلاء الوعاظ المجدين ظهر التأليف بالأمازيغية.

لا يعرف بالضبط متى ظهر أول كتاب مؤلف بالأمازيغية بالمغرب، والراجح أن هذا النشاط التأليفي انطلق في مرحلة تاريخية مبكرة بغرض إيصال المعرفة الدينية إلى أكبر عدد من الناس، فبعد أن انتظم التعليم العربي الإسلامي بالمغرب ظهرت طائفة من المتعلمين الذين لم يجاوزوا مستوى معينا من المعرفة اللغوية والشرعية، فكان على هؤلاء، وهم يقومون بمهام الإمامة والتعليم والوعظ في المساجد الكثيرة المنتشرة بالمغرب، أن يخاطبوا الناس ويفقهوهم، وكان عليهم الاستناد إلى مؤلفات مترجمة لنقل المعرفة السليمة البعيدة عن الخطأ في الفهم أو النقل، وقد

(1) - ينظر التعريف به في: ابن آجروم ضمن ذكريات مشاهير رجالات المغرب، عبد الله گنون، دار الكتاب اللبناني, 1960 - 1981. بيروت: دار الكتاب اللبناني,، بيروت 1960 - 1981.

(2) - العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، ص: 62.مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط 1397 - 1977.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت