الصفحة 6 من 33

بالنصرانية فأثخن فيهم وانتهى إلى تارودانت وهزم جموع البربر وقاتل مسوفة من وراء السوس ودوخهم." [1] "

غير أن الاسلام لم يستقر بالمغرب استقرارا تاما إلا بعد عهد عقبة بن نافع بكثير، خاصة على عهد موسى بن نصير، [2] حين فهم المغاربة الدين واعتنقوه عن استيعاب لعقيدته واطمئنوا إلى صدقه وعدله، ولم يتم ذلك إلا بعد أن تعلمت طائفة منهم اللغة العربية لتأخذ الدين من مصادره، وتوصل معانيه إلى أبناء المجتمع الذين قعدت بهم قلة علمهم بالعربية أو أميتهم عن إدراك المرامي والغايات، ويظهر لنا أن حركة نشر الإسلام بالمغرب قد اعتمدت كثيرا على هذه الطائفة المتعلمة لنقل المعاني والأفكار إلى الأمازيغية وشرحها وتقريبها للأذهان، ونجد في العصور المتأخرة مثالا لعمل هذه الطائفة من الدعاة، وذلك في عمل محمد بن زكرياء الولتي الذي كان يقضي وقته في التجوال والترحال للوعظ والإرشاد، قال عبد الرحمان الجشتيمي، [3] يصف حاله:

"يطوف في البلدان مشمرا مخلصا في نصح المسلمين، وتنبيه الغافلين، وتعليم الجاهلين. فكان إذا دخل قرية نادى أهلها أن اخرجوا رحمكم الله لتعليم ما فرض الله عليكم، فيخرجون بعد العشاء رجالا ونساء، ويضرب بينهما الحجاب، فيشرع في تعليمهم ما وجب عليهم من التوحيد والطهارة والصلاة والزكاة والصوم، وما حرم عليهم من الكبائر والصغائر، وما يكره وما يستحب." [4]

وبواسطة أمثال هذا الواعظ الداعية الذي كان يستعين بالأمازيغية في التواصل مع الناس أمكن لعمومهم فهم الدين واستيعاب عقائده والتمسك بها عن اقتناع وفهم.

لاشك أن معرفة الأمازيغ للعرب قديمة ممتدة قبل الإسلام، وأن هناك تأثير متبادلا وإن كان خافتا، إلا أن انتشار الإسلام في المغرب مكن من تعميق التواصل والتأثير العربي بانتشار اللغة العربية، فقد انكب المغاربة الأمازيغ على تعلمها والتعمق في دراسة علوم الدين وسافروا إلى مراكز العلم الشرقية في القيروان والشام والعراق والحجاز. [5]

ويرى الأستاذ محمد المختار السوسي [6] أن انتشار اللغة العربية بالمغرب ومنطقة سوس خاصة راجع إلى عدة أسباب، استنبطها من دراسة الألفاظ العربية الموجودة في الأمازيغية السوسية تاشلحيت، وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام:

(1) - كتاب العبر 6/ 108.

(2) - وفيات الأعيان، ابن خلكان، 5/ 320. تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة - بيروت ,

(3) - من علماء المغرب في القرن 13 هـ عالم مدرس مؤلف، من مؤلفاته كتاب الحضيگيون ترجم فيه لتلامذة شيخه محمد بن أحمد الحضيگي، تنظر ترجمته المفصلة في المعسول 6/ 120.

(4) - الحضبكيون، ص: 36 مخطوط خاص.

(5) - المدارس العتيقة وإشعاعها الأدبي والعلمي بالمغرب، المدرسة الإلغية نموذجا، ص: 25 وما بعدها.

(6) - توفي سنة 1383/ 1963 من علماء المغرب المتأخرين والمؤرخين البارزين، عالم مدرس مؤلف اهتم بالتاريخ الجهوي للمغرب وألأف عدة كتب في التأريخ لمنطقة سوس ومن خلالها المغرب عامة من أبرز كتبه المعسول في 20 جزءا، تراجع ترجمته في: محمد المختار السوسي، مصطفى الشليح، أحمد السليماني، بوشتى السكيوي مؤسسة أونا, الدار البيضاء، 1996.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت