فقهاء المالكية في تلك العصور المبكرة، وإن كان هناك علماء متأخرون عنها، من فقهاء المالكية ممن عرف عنهم إتقان اللسان الغربي - كما كان يسمى اللسان الأمازيغي - واستعانتهم بمعرفتهم تلك لمناظرة الخوارج وإفحامهم، ومن هؤلاء سالم بن سلامة الروداني السوسي (ت 589 هـ) الذي كان يقطن بسجلماسة، ووصف بأنه كان"حافظا لمسائل الفقه قديرا على أدائها باللسان البربري" [1] وكان هناك يناظر طائفة من الخوارج المعروفين الإباضية المعروفين بالوهبية. [2]
كما نجد المالكية - قبل ذلك - قد عملوا على مواجهة مد المذاهب والنحل المنتشرة آنذاك في المغرب من شيعة وخوارج وغيرهم، وذلك بقيادة أبي محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة في الفقه المالكي المدرس بالقيروان حيث أخذ عنه طائفة من العلماء الذين رجعوا إلى بلدهم خاصة في جنوب المغرب، وكانوا يراسلونه للتنسيق في مجال مقارعة أهل النحل، وقد احتفظ لنا كتاب القبلة [3] بأسماء طائفة من هؤلاء العلماء منهم وگاك بن زلوا شيخ عبد الله بن ياسين مؤسس دولة المرابطين، ويعلى بت مژلين ويحيى بن ويدفا الژادي وداود بن يملول [4] وغيرهم من العلماء الذين عملوا على نشر منهج أهل السنة والجماعة بكل الوسائل التي توفروا عليها ومنها الوعظ والدعوة باللسان الأمازيغي. [5]
ثم جاء في مرحلة لاحقة داعية الموحدين المهدي بن تومرت الهرغي الذي ألف لقومه المصامدة كتبا بالأمازيغية منها تفسير القرآن وكتاب التوحيد وكتاب القواعد وكتاب الإمامة، [6] وكان يعلمهم إياها، قال صاحب الاستقصا:
"ثم ارتحل المهدي عنهم إلى هرغة فنزل على قومه وذلك سنة خمس عشر وخمسمائة وبنى رابطة للعبادة فاجتمع عليه الطلبة من القبائل وأخذ يعلمهم المرشدة له في التوحيد باللسان البربري." [7]
وقد بلغ من اهتمام المهدي بن تومرت وأتباعه بنشر مذهبهم أنه لم يكن يؤم في أيامهم إلا من كان يحفظ التوحيد باللسان الأمازيغي. [8]
لقد أثار اهتمام المذاهب والنحل بنشر أفكارها اعتمادا على اللسان الأمازيغي، فقهاء المالكية ودعاهم إلى العمل على توحيد المغرب تحت مذهب أهل السنة والجماعة بالاستعانة
(1) - الإعلام بمن دخل مراكش وأغمات من الأعلام، العباس بن إبراهيم المراكشي،10/ 33 المطبعة الملكية الرباط 1403.
(2) - معلمة المغرب، مادة سالم بن سلامة الروداني، المهدي بن محمد السعيدي، 13/ 4466 الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، سلا 1422 - 2001.
(3) - لأبي علي صالح بن أبي صالح، مخطوط الخزانة الوطنية بالمغرب، ص:16.
(4) - المدارس العتيقة وإشعاعها الأدبي والعلمي بالمغرب، المدرسة الإلغية نموذجا، ص:26.
(5) - نفسه.
(6) - العلوم والآداب والفنون على عهد الدولة الموحدية، ص: 154.
(8) - نفسه.