وفي حوار شعيب مع قومه نرى كيف نهاهم عن الفساد في الأرض، الذي تؤدي إلى الاقتتال والاحتراب من أجل المادة، ونوازع الهوى البشري، فالحوار يحقق هذا المقصد على مستوى الجماعة وعلى مستوى الفرد، فنموذج فرعون كان مثالا للاستعلاء، والفساد تقتيلا وتعذيبا لأنه تنقصه هذه الرؤية لإعمار الأرض، لدى أرسل الله موسى وهارون لمحاورته حتى يكف عن طغيانه وإفساده في الأرض"اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" [1] .
فالحوار يجعل الإنسانية تتجنب الكوارث والفساد الكوني العام، وأيضا فكرة الخلافة والتعمير تجعل الإنسان يحسن الوصاية والنيابة عن الله في التصرف في الكون والأرض ومع الخلائق والكائنات.
وهكذا فالخلافة من مفهوم العقل المسلم التي يجب أن يصل إليها ويوصل غيره إليها -كما يقول أبو سليمان- هي نعمة تكريم تضع الإنسان موضع القدرة والسيطرة من الكون تسخيرا لحاجته وإيكالا لأمر السلطة فيه إليه لتسييره والسير فيه سيرة الاصلاح والإعمار [2] .
والحوار بين الحضارات يلعب دورا مهما في التعمير خاصة أنها ترتكز على ما هو مادي من علوم ومعرفة، فالحوار الحضاري يحقق التعمير بدل الصراع.
-الشهادة على الناس: فبالحوار يتحقق مقصد الشهادة، الذي خصت به الأمة الإسلامية لأنها تحمل رسالة لقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [3] . فالشهادة هي الإخبار عن أمر وقع العلم به لإقامة حق يتوقف عيه الاخبار، وهي كما يقول عبد المجيد النجار تقوم على العلم وهو أساس الشهادة والبيان والاظهار لذلك العلم، ثم تبليغ ذلك بحيث يصير واصلا إلى الآخرين على الوجه المقنع، ثم العدل في كل ذلك حتى تكون الشهادة مفضية إلى نفع المشهود عليهم [4] .
(1) - سورة طه، الآية 42.
(2) - أزمة العقل المسلم، عبد الحميد أبو سليمان، دار القارئ العربي، ط 1، 1412 هـ/1991 م، ص 129.
(3) - البقرة، 143.
(4) -فقه التحضر الاسلامي، ص،106