الصفحة 43 من 45

ليتسع تفسيرها بما يتلاءم مع حاجات كل عصر. هذا ما ينفي عن القرآن التاريخانية التي تجمد على فهم واحد وإطلاق سلطته على سائر الفهوم، في سائر العصور، لهذا استطاع التعايش واستيعاب مختلف الثقافات والحضارات والأديان، مع حفظ خصوصياتهم. يقول الحجاج حمد:"يحمل القرآن الكريم خصائص الخطاب العالمي، الذي يستوعب ويتجاوز مختلف المناهج المعرفية العالمية، ومختلف الانساق الحضارية العالمية فلا ينغلق على خصوصية -جغرافية بشرية محددة، ولا على تاريخانية محددة ولهذا كان قابلا- حين تأسيسه العالمية الأولى لأن تتقاعل به كافة الأنساق الحضارية والمناهج المعرفية حول الوسط من العالم القديم ..." [1]

لاشك أن الحوار يصبح حتميا على طرف يمتلك هذه العالمية المستوعبة للبشرية ولهذا المنهج وبهذه المقومات ... لاعترافها واحتفاظها بخصوصيات ومقومات باقي الحضارات والثقافات، عكس العولمة الإقصائية الإلغائية وآثارها التي لا يمكن أن يقوم تحت مظلتها حوار يعتمد أسس التفاعل الحضاري الذي يؤمن به عالمية الاسلام في علاقتها مع الأمم الأخرى، وإنما سيكون الحوار في ظل العولمة حوار الهيمنة والسيطرة وفرض الأمر الواقع ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، وهذا يرفضه الإسلام ولا يرضاه لأتباعه .... لكن أتباعه رضوا بأن تتقلص العالمية، ذلك المبدأ الشرعي لتصبح واجبا غائبا عن فكر وممارسة المسلمين الذين يتوقف عليهم حل الأزمة العالمية، وهذا لا يتأتى إلا بتفعيل الخطاب العالمي القرآني، وتقديم البديل الحضاري عن طريق توحيد الجهود وتجميعها من أجل الاصلاح والتغيير داخل وعاء الأمة المتمثلة بهذه العالمية كفلسفة تنقد البشرية من طوفان العولمة، وهي الأمة الوسط أو القطب المتوحدة القائمة على التوحيد والمستوعبة للتعددية والاختلاف، والمنفتحة في وجه الآخرين الذين تحمل لهم رسالة جناحيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [2] يقول طه جابر العلواني:"فهي دعوة لتحقيق غايات إنسانية مشتركة بين البشر تتلخص في إخراج الناس من عبادة العباد عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدين إلى سعة الدنيا والآخرة."

(1) العالمية الثانية، الحاج حمد، ص 257 - 258.

(2) سورة آل عمران، الآية: 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت