فعلى الرغم من كون الصحابي الراوي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نخبة المجتمع النبوي، ومشهورًا بالخصائص التي تؤهله لرواية الحديث، فهو بشر وغير معصوم من الخطأ وإن عرف بالضبط الممتاز.
2 -ضرورة التمييز بين قداسة النص وعدالة الصحابي، فعندما أطلقت عائشة رضي الله عنها الحكم حول رؤية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربه كما روى البخاري ومسلم بسنديهما إلى عائشة رضي الله عنها قالت:"من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية، ولكن رأى جبريل في صورته وخلقه سادًا ما بين الأفق". [1] لم تستثن من قولها الصحابة العدول لأن عدالة الصحابي أمر بديهي، إلا أنها ليست حاكمة على النص، ولأنها تَعتبر كغيرها من الصحابة قداسته فوق كل اعتبار، وحتى لا يُقَوَّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله، فتتخذ تلك الأقوال مصدرًا للتشريع.
3 -ومن البديهيات أيضًا وجوب التمييز بين خطأ أو وهم أو نسيان الراوي وبين كذبه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يعني -حسب الروايات السابقة- أن الصحابة رضوان الله عليهم تعمدوا الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكل ما يمكن توقعه هو احتمال وقوع أولئك الرواة في الخطأ أو الوهم أو النسيان. فقد يكون قد أخطأ السمع فيكون قد سمع أول الحديث ولم يسمع آخره كما سيظهر في الروايات الآتية: كما جاء في حديث الشؤم روى أحمد من طريق قتادة عن أبي حسان"أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الطيرة في الفرس والمرأة والدار"، فغضبت عائشة غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، وإنما قال:"إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك". [2] "
(1) فتح الباري. رواه البخاري، كتاب بدأ الخلق، ج 6، ح 3234.
(2) أنظر شرح الحديث: البنا، أحمد عبد الرحمن البنا، الفتح الرباني، كتاب الجهاد، باب: ما يذكر من شؤم الفرس، ج 6، ص 60 - 63، والحديث صحيح، انظر: الشوكاني، الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني (ت 1173 هـ) . إتحاف المهرة في الكلام على حديث لا عدوى ولا طيرة، طنطا: دار الصحابة للتراث، ط 1، 1412 هـ /1992 م، ص 67.