عرض الحديث على المصالح المعتبرة لدى الشرع مثل حفظ النفس والدين، كحفظ نفس المؤمنة المطلقة من التشريد إذ لا نضمن بقاء دينها وعرضها إذا شُرِّدت، فستكون ساخطة ناقمة على المجتمع.
لقد اختلفت وجهات نظر الفقهاء في هذه المسألة، فمنهم من أخذ بالحديث ولم يوجب لها شيئًا، ومنهم من أخذ بالآية وأوجب لها السكن والنفقة، ومنهم من أوجب لها السكن دون النفقة [1] . فلو أخذنا بقاعدة تحقيق المصلحة التي على أساسها ذهبت عائشة إلى تخصيص هذا الحديث، لزال الاختلاف بين العلماء. فإن كان في إعطائها حق السكن والنفقة مصلحة، كان لها ذلك، وإن أدى ذلك إلى مضرة منعت منه. وكم من مطلقة في المجتمعات الإسلامية تقاسي آلام التشريد مع أطفالها، وحياة الذل بين أفراد عائلتها، فتفقد كرامتها الإنسانية.
-وكذلك مثل تعقيبها على فتوى ضرورة سفر المرأة إلا بمحرم لما قد يسببه ذلك من حرج لمن لا تملك محرمًا. عن ابن شهاب حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن: أن عائشة أخبرت أن أبا سعيد الخدري قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم، قالت عمرة: فالتفتت عائشة إلى بعض النساء (وقالت) :"ما لكلكن ذو محرم". [2]
(1) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري. الجامع لأحكام القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1966 م، ج 8، تفسير سورة الطلاق، ص 167. وانظر:
-الجصاص، أبو بكر أحمد بن علي الرازي. أحكام القرآن، محمد الصادق قمحاوي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د. ت، ج 5، ص 355 - 361. وانظر:
-د. عبد الكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، ج 6، ص 240 - 243.
(2) سنن البيهقي، كتاب الحج، باب المرأة يلزمها الحج بوجود السبيل إليه وكانت مع ثقة من النساء في طريق آمنة، ج 5، ص 226 وانظر:
-البستي، محمد بن حبان بن أحمد (ت 354 هـ) . صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 2، 1413/ 1993 م ج 6، ص 442 - 443.