ومن الصحابة الذين عرفوا بروايتهم للحديث كانوا يترددون عليها لمراجعة محفوظاتهم."فقد كان أبو هريرة يأتي إلى مكان قريب من حجرة عائشة رضي الله عنها فيحدث، فعن هشام عن أبيه قال كان أبو هريرة يحدث ويقول اسمعي يا ربة الحجرة اسمعي يا ربة الحجرة وعائشة تصلي ... [1] حتى يطمئن إلى صحة الحديث عندما تقرّ عليه عائشة المحدثة الفقيهة الحافظة. وهذا لا يقدح في ضبط أبي هريرة بل العكس يرفع من شأنه في نظرنا، لأنه يتحرى الدقة والحرص الشديد على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. كما يدل على مستوى الوعي الذي وصل إليه الصحابي في تعامله مع المرأة الفقيهة. مستوى اكتسبوه من مدرسة النبوة تلك المدرسة التي علمتهم احترام رأي الكفء بغض النظر عن كونه رجل أو امرأة. كانت عائشة من كبار علماء الصحابة المجتهدين. قال ابن قيّم الجوزية في إعلام الموقّعين: والذين حفظت عنهم الفتوى من الصحابة مائة ونيف وثلاثون نفسًا، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. [2] "
وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة قد اشتغلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلم جراّ، إلى أن ماتت يرحمها الله [3] . ولقد كانت عائشة تجتهد في المسائل التي لا تجد لها نصًا صريحًا، حتى قال عنها عبد الرحمن بن أبي سلمة:"ما رأيت أحدًا أعلم"
(1) رواه مسلم، في كتاب الزهد والرقائق، ح 2493.
(2) ابن قيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت 751 هـ) . إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: دار الفكر، ط 2، 1397 هـ /1977 م، ص 12.
(3) ابن سعد، الطبقات الكبرى، المجلد 2، ص 375.