الصفحة 10 من 50

والعربيّ- نفسه- لا يحتاجها باعتبارها لغة حيَّة، بل لكونها جزءًا من تراثه، له أن يتجاوزه، ويتجاوزها معه، وله أن يحتفظ به وبها إن شاء، على أن لا يفارقه اليقين بأنّه لن ينتفع بها في حياته، وإذا كان لا بد له من الاحتفاظ بشيء منها؛ فاللَّهجات العاميَّة الهجين يمكن أن تغنيه عن مكابدة تعلُّم نحوها وصرفها وبلاغتها وبيانها وبديعها وما إلى ذلك ممّا عدُّوه تزيُّدًا لا معنى له، ولا حاجة إليه.

وأوًّل المتضرّرين بتهميش"لسان القرآن"الإسلامُ والمسلمون ومنهم العرب؛ ذلك أن تهميش"لسان القرآن"قد أحدث قطيعة غير معلنة بين المسلمين وتراثهم، وقد أدّى ذلك إلى انعدام"الإبداع"، وتراجع القدرات الفكريَّة والاجتهاديَّة، وسلوك سبيل التدهور الحضاريّ، والدخول في دوَّامة الأزمات الثقافيَّة. وقد طرحت مشاريع كثيرة لتجاوز تلك الأزمات لم يكن من دعائم الكثير منها -إن لم نقل كلّها- إحياء"لسان القرآن"واللُّغة العربيَّة لعدم إدراكهم لضرورة ذلك لمشاريع النهوض.

وقد تعرضت الشعوب المسلمة غير العربيَّة [1] إلى كثير من الضغوط لإحياء لغاتها الأصليَّة، وإنعاشها، وتجاوز"لسان القرآن"واللغة العربيَّة التي هي ينبوع الثقافة الإسلامية، وذلك لعلمهم أن الوسيلة الأساس التي تربط هذه الشعوب بالإسلام هي"لسان القرآن"، فإذا سادت العُجْمة واختفى"لسان القرآن"أمكن -آنذاك- أن يقال: إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - والقرآنَ الذي أنزل عليه كل منهما كان خاصًّا بالعرب. فالرسول عربيّ أُرسل للعرب، والقرآنُ عربيٌّ أُنزل بلغة العرب؛ فرسالة الإسلام -إذن- رسالة عربيَّة قوميَّة وليست رسالة عالميّة، وجهت خطابها إلى البشر كافة. ومادامت رسالة حصريَّة فلا يحتاج أن يعتنقها الهنديّ والكرديّ والتركيّ والفارسيّ والملايا وغيرهم من شعوب الأرض؛ لأن خطابها موجَّه إلى العرب وخاصٌّ بهم. أمّا"النصرانيّة"الموجَّهة نصًّا إلى"الخراف الضالَّة من بني إسرائيل" [2] وذلك نصٌّ في قوميتَّها وحصريَّتها فقد منحها هؤلاء صفة"العالميّة"و"الكونيَّة"من غير دليل معتبر.

(1) كما فعل أتاتورك في تركيا. بل إن هناك دولًا عربية استطاع المستعمر أن يفرض عليها لغته فوجدت نفسها بعد الاحتلال لا تستطيع أن تفهم اللغة العربية القومية كما حدث في الجزائر وتونس ونجح الغزو الثقافي في البلاد الأخرى أن يجر في دائن يجردها من العربية ويجعل العامية هي السائدة في تعاملات الناس وبهذا يسهل إبعاد المسلمين العرب عن دينهم ولغتهم كما هو الحال الآن. أنظر كتاب مشكلات في طريق الحياة الإسلامية للغزالي ص 92 وما بعدها.

(2) وراجع الإصحاح العاشر من إنجيل يوحنا من 19 - 3 ط. دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت