لسان القرآن ومستقبل الأمة القطب [1]
د. طه جابر العلواني
قد يبدو تناولنا لـ"لسان القرآن"في هذه الحلقة الرابعة من سلسلة دراساتنا في"علوم القرآن"أمرًا مستغربًا"فلسان القرآن وعربيَّته"بدهيَّة من البديهيّات، ومسلَّمة من المسلَّمات، لكنَّنا نبادر إلى القول بأنّ هذه القضيَّة تبدو بدهيَّة عند النظر العام العاجل لها، أمَّا حين ندخل في التفاصيل فإنّنا سوف نلحظ أن هذه البدهيَّة قد شاب تفاصيلها وجزئّياتها كثير من الغموض- الذي يمكن ردُّه إلى مجادلات علماء العربيَّة وعلوم القرآن في قضايا"المعرَّب والدخيل"و"الأحرف السبعة"و"الاشتراك اللفظيّ"و"الحقيقة والمجاز"وغيرها من القضايا اللغويَّة الدقيقة؛ ولذلك فإنّ تناول هذا الموضوع ووضعه في إطاره الصحيح سوف يكون منطلقًا أساسًا لوضع تلك الجزئيّات في إطارها وسياقها في لسان القرآن لتفهم في سياق إن لم يُزِل الجدل الدائر حولها فلعلَّه يقلّل منه، وينبٍّه إلى ما دعا إلى إثارته، ولعله يغري بعض الباحثين الجادِّين بتناول هذا الموضوع اللِّساني الخطير من سائر جوانبه وبمنهجٍ لعله يحسم الجدل في هذا الموضوع جملةً وتفصيلًا، أو يوضح ويفسّر أسبابه بطريقة مقنعة إن شاء الله تعالى.
لقد شهد القرنان الماضيان كثيرًا من الجهود المعادية"للسان القرآن"، في محاولة لتهميش اللُّغة العربيَّة، والدعوة إلى هجرها وتجاوزها، واعتبارها"لغوًا وحشوًا"ولغة عاطلة خالية من سائر المضامين المعرفيَّة والحضاريَّة. جعلت من الناطقين بها -في نظر خصومهم- مجرّد"ظاهرة صوتيّة". وقد كثر الحديث في عصرنا هذا -عصر- الرغبة في الإجهاز على بقايا حضارتنا وثقافتنا - عن كون"لسان القرآن"لسانًا قوميًّا، لا حاجة لمن لا ينتمي إثنيًّا وعرقيًّا إلى العرب أن يتعلَّمها خاصَّة وأنّها لا تعد من بين اللغات الحيَّة. وأنَّها تعبير عن"عقل بيانيّ، لا برهانيّ"فلا تصلح أن تكون"لغة علميَّة"في عصر قائم على العلم مستند في كل جوانبه إليه.
(1) ("الأمة القطب"مفهوم أول من أصَّل له واستعمله في المحيط العربي - فيما أعلم - د. منى أبو الفضل ولها كتاب يحمل هذا العنوان، طبع في القاهرة، ط 1، دار الطوبجي، 1982، وصدرت ط 2 في القاهرة، 1998 عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي. كما قامت"مكتبة الشروق الدوليّة"في القاهرة بطباعته طبعة أنيقة بمقدمتنا مع إضافات وتعديلات هامَّة، وهي تطلقه وتريد به الأمة العربية وعمقها الإسلامي، وفي استعمالنا له لم نخرج به عن ذلك المفهوم.