الصفحة 11 من 50

إنّ"العربيَّة لسان"كما في الأثر [1] . وأن اللِّسان هو"لسان القرآن"، وأنّه لا يمكن لهذه الأمّة أن تعي ذاتها، وترمم بنيانها، وتعيد بناء وحدتها، وتستردّ فاعليّتها الفكريّة والإبداعيَّة، وتشق طريقها نحو النهوض بدون إحياء روابطها"بلسان القرآن"، وربط سائر لغاتها به سواء أكانت لغة كتابة، أو لغة تشريع وفقه وقانون أو لغة فلسفة أو اقتصاد أو اجتماع أو سياسة، أو طب أو هندسة؛ فالأمَّة التي لا تفكر بلغتها، ولا تتعامل مع العلم بلسانها لا يمكنها أن تعالج أزماتها الفكريّة والمعرفيّة والحضاريّة. أو تتبنَّى لنفسها مشروعًا حضاريًا، أو تشق طريقها إلى النهوض.

إنّ"لسان القرآن"يخرج اللفظ عن كونه مجرّد لفظ؛ لأنّه يحمِّل اللفظ طاقات دلاليَّة لم يعهدها أحد في تلك الألفاظ قبل نطق القرآن بها، فهو يفرّغها ويملؤها، ويمنحها معاني، ودلالات ما كان لشاعرٍ أو ناثرٍ أو مجموعة كبيرة أو صغيرة من أساطين العربيَّة أن تمنحها تلك الدلالات.

ومن هنا احتار اللِّسانيوّن المحدَثون فيها، فهي ليست أصواتًا مقطَّعة -كما يقول ابن جنيّ (ت: 392 هـ) [2] ، وهي ليست مجرد"اختلاف تركيبات المقاطع الصوتيّة" [3] التي تفضي إلى دلائل كلاميَّة، وعبارات لغويَّة [4] كما عبّر عن ذلك الآمدي (ت: 613 هـ) .

"فلسان القرآن"أمر آخر فوق ذلك كلِّه، فلا يمسُّه اللسانيُّون، ولا يستطيعون العروج إلى عليائه لا بالتحليل ولا بالتفكيك، ولا بمناهج اللِّسانيّات، ولا بمناهج السيمائيّات؛ لأن هناك شيئًا قد غفل عنه هؤلاء كلُّهم، وهو الفرق بين الخطاب حين يكون إلهيًّا وبين الخطاب البشريّ؛ فسوّوا بذلك بين خطاب ربِّ الأرباب وخطاب ابن التراب؛ فضلُّوا وأضلُّوا كثيرًا.

و"لسان القرآن"-بما يحمله من خصائص- قادر على منح العربيَّة طاقات الحياة والخلود، واستيعاب معطيات"العمران والشهود الحضاريّ والاستخلاف". والتراجع الذي يبدو

(1) روى أحمد في المسند عن سعد بن سهل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم لا يدركني زمان ولا تدركوا زمانًا لا يتبع فيه الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب"المسند 5/ 340 - ويحمل رقم (22777) بتحقيق الزين.

(2) في الخصائص: (33/ 1) .

(3) أنظر الإحكام في أصول الأحكام: (( 15/ 1.

(4) المصدر نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت