وقد تعرّض الإمام الشاطبي إلى هذه المسألة"المعرّب والدخيل"في كتابيه"الاعتصام" [1] و"الموافقات"، وفيها عقد خمس مسائل، نصَّ في أول المسألة الأولى على"أن القرآن ليس فيه كلمة أعجمية عند جماعة من الأصوليين"، ثم ذكر ما يشير إلى حِيدته في هذه المسألة أو قلة اكتراثه بها؛ لأنّ العرب إذا تكلمت به صار من كلامها عنده، ثم قال:"والخلاف في أصل المسألة لا يترتب عليه حكمٌ شرعيُّ"؛ لأنه اعتبر المراد من نزول القرآن بلسان العرب وأنَّه عربيٌّ أنه لا عُجْمة فيه، وأنَّه نزل على معهود العرب في ألفاظها الخاصَّة وأساليب معانيها؛ فالعبرة عنده بالأساليب وبما ينبئ عنه الكلام بجملته من معانٍ.
لكنه عاد في المسألة الثانية ليتحدث عن العربيَّة باعتبارها ألفاظًا وعبارات دالة على معان مطلقة أو مقيَّدة، وقسم دلالتها إلى دلالة أصليّة وأخرى تابعة، وخلص بعد ذلك إلى القول بتعذُّر ترجمة القرآن إلى اللُّغات الأخرى؛ إذ لا يمكن ترجمة المعاني التي ينبّه إليها الأسلوب والسياق ونحوها.
وفي المسألة الخامسة استكمل ما أورده في الثانية حول دلالة الكلام على المعنى الأصليّ والمعنى التبعيّ، وذكر الخلاف في ذلك، وأدلة المختلفين، وناقش أدلة الفريقين، ثم خلص -في نهاية الأمر- إلى تبنيّ موقف المانعين في أن يكون للكلام دلالتان -معًا- أصلية وتبعية، وأكَّد أن المعاني الزائدة عن المعنى الأصليّ هي آداب شرعية وتخلُّقات حسنة يكون لها اعتبار في الشريعة في هذا المستوى [2] .
أميَّة الشريعة عند الشاطبي [3] :
وأما المسألتان الثالثة والرابعة من المسائل التي أوردها فهما ألصق بقضيتنا الأساسية في هذا المجال بعد المسألة الأولى وهي سحب صفة"الأميَّة"من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأمته ولسانه على الشريعة ذاتها وكأنَّها لم تأتِ لتُخرج الأمييِّن من
(1) - راجع الاعتصام، للشاطبي، بيروت: دار الكتب العلمية، 1989، (2\ 293 - 297)
(2) - راجع"الموافقات في أصول الشريعة، للشاطبي، بيروت: دار المعرفة، 1988."
(3) أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي (ت: 79 هـ)