أمّيتهم وتجعلهم حَمَلةً وأهلًا لأهم كتاب نزل ألا وهو القرآن، بل لتكرس"الأميَّة"، فبدلًا من أن ترفع مستواهم إلى مستواها العالي تهبط هي إلى مستوى الأميّة ذلك؛ لتتّصف بالأميَّة وتعززها كذلك!! فقال رحمه الله:"هذه الشريعة المباركة أميّة؛ لأن أهلَها كذلك، فهو أجري على اعتبار المصالح"، ثم أورد الأدلة التي رآها دالة على ذلك، وهو يهدف إلى الوصول إلى تأكيد مقولة أن الشريعة في مستوى فهم العرب وطاقات وقدرات الأمّيين منهم؛ إذ إنها لو ارتفعت عن هذا المستوى"لأعياهم فهمُها، ولما أمكنهم تطبيقها وكان تكليفهم بها تكليف ما لا يطاق"!!
قلت: وهذا منطق عجيب لو أُخذ على ظاهره؛ فانه قد يعزّز ما ذهب إليه كثير من المستشرقين وتلامذتهم من تاريخانيَّة هذه الشريعة، وارتباطها انحصارًا في زمانها ومكانها، وحَمَلتها الأولين لا تتعداهم، فكيف يمكن القول -بعد ذلك- بعمومها وشمولها وكمالها، وصلاحها لكل زمان ومكان وإنسان وعالميَّتها وخلودها، وبقائها ودوامها واشتمالها على المقاصد الخالدة؟ لاشتمالها على سائر الخصائص التي تؤهّلها لذلك -كله- كما دلت على ذلك آيات سورة الأعراف: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} "الأعراف:157 - 158".
إن من البديهى الذي لا يخفى على تلامذة أبي إسحاق -وأنا منهم- أن الرسل والأنبياء إنما يُبعثون إلى الأمم والشعوب ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، وأن من الظلمات التي يحرِّر الرسلُ البشرَ منها"الأميَّة"؛ فهي من وسائل الشيطان المهمّة في إخضاع الإنسان لما كان عليه الآباء بقطع النظر عن طبيعته، وجعل الإنسان الأمّيّ -بهذا المعنى- الذي يتبناّه الشاطبي يعني أن يكون ذلك الإنسان مستعدًّا لقبول الخرافة والشعوذة وسائر الانحرافات. ثم إن القرآن العظيم لقّب اليهود والنصارى الذين كانوا أمّيين قبل نزول كتبهم"بالكتابييَّن"ولم يلقبهم"بالكاتبين"، فلِمَ لَمْ يصبحْ العرب -في نظر أبي إسحاق ومَنْ إليه-