كان يكتب أو لا يكتب، يحسب أو لا يحسب. فهذه الأميَّة منها ما هو ترك واجب يعاقب الرجل عليه إذا قدر على التعلُّم فتركه، ومنها ما هو مذموم كالذي وصفه الله -عز وجل- عن أهل الكتاب حيث قال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} "البقرة:78"، فهذه صفة من لا يفقه كلامَ الله ويعمل به، وإنما يقتصر على مجرد تلاوته، كما قال الحسن البصريّ (ت: 110) "نزل القرآن ليُعمل به فاتخذوا تلاوته عملًا". فالأميُّ -هنا- قد يقرأ حروف القرآن أو غيرها ولا يفقه بل يتكلم في العلم بظاهر من القول ظنًّا، فهذا أيضًا أميٌّ مذموم كما ذمه الله لنقص علمه الواجب؛ سواء أكان فرض عين أم كفاية. ومنها ما هو الأفضل الأكمل كالذي لا يقرأ من القرآن إلا بعضه ولا يفهم منه إلا ما يتعلق به، ولا يفهم من الشريعة إلا مقدار الواجب" [1] ."
ليت أبا إسحاق ومَنْ إليه التفتوا إلى المعنى اللُّغويّ الآخر لكلمة"الأميّ"الذي التفت إليه كثير من الأئمة ومنهم ابن تيمية فصحيحٌ أن المعنى الأول هو المتبادر إلى الذهن وهو ما فهمه الشاطبي ومن إليه، من أن الأمّيّ من لا يقرأ ولا يكتب، وإليه مال الأكثرون فلم يتعرضوا للمعنى الآخر الذي لا يتبادر إلى الذهن -من اللفظ مباشرةً- بل يحتاج إلى شيء من النظر؛ وهو أن الأمّيّ تعني المنتمي إلى قوم لا كتاب لهم من مشركي العرب وغيرهم. وقد ذهب إلى ذلك المعنى ابن جرير الطبري [2] ، وبمثله قال النيسابوري (ت: ... ) بهامش الطبري (3/ 169) . وقد نقل الفخر الرازي في -تفسيره الكبير- عن ابن عباس نحوَه، فقال:"وقال ابن عباس: يريد (يعني بالأمييِّن) : الذين ليس لهم كتاب ولا نبيّ بعث فيهم" [3] . وقال ابن عطية في تفسيره:"الأميُّون يراد بهم العرب، ثم قال -في قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} "الجمعة: 3"-يراد بهم الفرس، ونقل عن سعيد ابن جيبير ومجاهد أن المراد بهم الروم والعجم. وذكر نقولًا وأقولًا أخرى [4] تدل على أن"
(1) - راجع الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، (25/ 168 - 169) . وكذلك"دلالة الألفاظ"إبراهيم أنيس، طبعة القاهرة، دار الأنجلو المصرية، 1968، ص (187 وما بعدها) . وكذلك العالمية الإسلامية الثانية، ص (1/ 153) ومع ذلك فما زال أناس يدعون لانتساب لابن تيميّة يتشبثون بأميّة الأمة والرسالة وبذلك يتيحون للسفهاء والجهلة أن يقودوا أمّة من الأميَّين، ولِم لا؟
(2) - راجع تفسير الطبري (3/ 143) .
(3) - راجع التفسير الكبير للفخر الرازي (4/ 39) .
(4) - راجع تفسير المحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 440 - 441) .