-اليوم- عليها هو انعكاس لتراجع وتخلّف حملتها، والناطقين بها -الذين صاروا بعد مرحلة التراجع الحضاريّ يعانون من مركب نقص، وجراحات نفسيَّة عميقة؛ أفقدتهم الثقة بأنفسهم وتراثهم ولغتهم وثقافتهم وحضارتهم فتحولوا إلى متسولين يقفون على أبواب"الأنساق الثقافيّة"الأخرى موقف تبعَّة ذليلة مقلّدة!.
اللُّغة أمر شديد الأهميَّة كبير الخطر، بالغ الأثر في حياة الإنسان، لا يجهل أهميتَّه ولا يقلِّل منها إلا إنسان فاقد للمعرفة، جاهل بحقيقتها، متجاهل لماهيَّة الإنسان وحقيقته، غير مدرك أن الله -تبارك وتعالى- يسَّر للإنسان لكُنْهِ ذاته -فضلًا منه ورحمةً- ما جعله"ناطقًا"، وهذه"الناطقيّة"تُمثِّل الحقيقة الإنسانيّة فيه. وقد امتن الله عليه بأن علَّمه أولَ ما علّمه"الأسماء"كلّها [1] ، وبعلمه بها تميَّز على الملائكة، وصار الأجدر بالخلافة في الأرض، والأحقَّ بأن يستخلف فيها، ويقوم على عمرانها، واستثمار ما فيها، واستخراج كنوزها ثم {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (الرحمن: 4) للإفصاح عما يريد، وللتفاهم مع بني جنسه.
وعلاقة اللّغة بإنسانيّة الإنسان وبعقله وفكره ومعرفته وعلمه وحياته وهُويتَّه وإنسانيَّته علاقة عضويّة فطرية لا يمكن تصور حقيقة الإنسانيَّة بدونها.
"... ولقد شغلت المسألة اللُّغويّة المفكرين والفلاسفة منذ القدم فانشغل بذلك سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وأرسطو وغيرهم ..." [2] . ولم يكن انشغال فلاسفة المسلمين بأقل من ذلك، أمثال الكندي (ت: 252) والفارابي (ت: 339) وابن سينا (ت: 428) فضلًا عن أئمة الأصول والفقه والتفسير واللُّغات، ولم يتوقف الاهتمام بها، أو بجوانب ذات صلة بها منذ القدم حتى يومنا هذا. وكُتب الطبقات والتراجم حافلة بأسماء العلماء الذين شُغلوا بهذه المسألة أو بجوانب منها -مثل"بغية الوعاة في طبقات النحاة"و"طبقات النحوييّن واللغويّين"و"طبقات المفسِّرين"وما إليها، ولم يتوقف الاهتمام بها في أي عصر من العصور.
وقد كان للعرب -مثل غيرهم من الأمم- لسان، وكانت لهم لغات نابعة من ذلك اللِّسان، واختار البارئ -جل شأنه- أن يكون للقرآن لسانه الخاصُّ ليتصل باللِّسان العربيّ كما يشاء،
(1) وانظر الكتاب القيّم في حكمة تعليم آدم الأسماء""وعلم آدم الأسماء"ت ...."
(2) د. عبد الملك مرتاض/ في نظريّة الرواية، عالم المعرفة العدد (240) المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ الكويت ديسمبر 1998.