وجعل هذه المعرفة أهمَّ مؤهلاته للاستخلاف علَّمه البيان، والإفصاح عمَّا في نفسه أو ضميره بقطع النظر عن متعلّقه، وعن تنوع هذا الذي في الضمير.
والأفكار حين توضع في قوالب الألفاظ تخرج عن سيطرة المفكّر، وتصبح عملية الكشف عنها، ومعرفة دقائقها ملكًا للقارئ من خلال التحليل اللغوي. وقد سبق القرآن عصرنا هذا حين لم يسمِّ"لسان القرآن"لغة، بل سماها لسانًا لتحصل المقابلة بين الجنان واللسان [1] ؛ وللفت النظر إلى أن اللّغة تبنى وترتَّب وتهيّأ في الجنان، ثم ينطلق بعد ذلك بها اللسان [2] . وهذا العامل سوف يسهل للغة العربية عمليَّة بناء الثقافة الموحّدة والفكر الموحَّد لدى الناطقين بها.
لقد عُرف القرآن الكريم بثراء معانيه وغزارتها، وانفتاح خطابه على التاريخ الماضي، والحاضر الراهن، والمستقبل المنتظر. وهو حين ينفتح على كل تلك المعاني فإنه يتسع لبعضها بألفاظه الظاهرة، وأحيانًا بمعانيه الكامنة، ثم بسياقه وبنَظْمه وأساليبه وبلاغته وفصاحته ووحدته البنائيَّة. لذلك فإن التالي المتدبِّر للقرآن المجيد يبحث عن تلك الجوانب المفتوحة في النصّ على مختلف الآفاق، موظِّفًا بيانَ النصّ وبلاغته وفصاحته للغوص على اللُّباب، وستكون هذه المعاني -كلها- مصادر إثراء وإغناء للثقافة المشتركة الموحدة.
ولقد أفاض الأصوليّون في بيان الأدوات التي لابد أن يحملها، أو يتزود بها المتدبِّر في رحلته الشاقة وراء البحث عن المعنى أو المغزى، فتكلموا عن مراتب الدلالات، وعن أحوال اللفظ العربي المختلفة من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد وإجمال وبيان، وتغير الدلالات بتغير تلك الأحوال، بالإضافة إلى أحوال الخطاب ذاته ومن هذه الأحوال أسباب النزول، والمناسبات والإعجاز والأساليب والقوانين التي وضعوها، والقواعد التي أصَّلوها، ومتى يتم تبنّي معنى من المعاني التي دلَّ النصُّ عليها ولماذا؟ ومتى يتم تبني سواه؟ ولماذا؟ وما
(1) -لعل الأثر المنقول عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعزز هذا، وقد ورد هذا الأثر في سيرة ابن هشام"2/ 659"ط الحلبي، كما ورد عند الزبيدي في شرح القاموس مادة"زور"وكذلك في الكامل لابن الأثير"2/ 222"طبعة المنيرية، وانظر كذلك هامش المحصول بتحقيقنا"2/ 26"ط 2، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1992. علمًا بأن هناك فرقًا بين اللسان واللغة لم يكتشفه اللسانيّون إلا مؤخرًا في القرن التاسع عشر كما أسلفنا.
(2) - المصدر السابق