لقد رأينا كيف سجن المفسِّرون واللُّغويُّون هذا"المفهوم القرآني"المهمّ في دائرة الرجز والشعر الجاهليّ، وتناقلوا جيلًا بعد آخر ذلك المعنى الضيِّق الذي التزموا به انطلاقًا من تلك الفرضيَّة الخاطئة: القائمة على اعتبار"الحاكميَّة على لسان القرآن"للّغة العربيَّة من ناحية؛ ولقراءة الآيات وكأنَّها كيانات مستقلة لا ارتباط بين كلماتها من ناحية أخرى. وقد لا حظنا -أيضًا- كيف كان المفسِّر يعطي الكلمة في آية معيَّنة، وسياق محدَّد معنًى يخالفه أو يعترض عليه، أو يرفضه في تفسيره للكلمة في آية أخرى؛ فلم يعد من الممكن النظر إلى"المفردة القرآنيَّة"باعتبارها"مفهومًا"يضم معانيَ عديدة يستوعب بها لغات عصر التنزيل، وينفتح بعدها على سائر المعاني الأخرى التي يستفيد الفكر الإسلامي والإنساني من استعماله فيها ليستوعبها.
وأحيانًا يقوم بعمليَّة"تفريغ"للكلمة من معنى لا يخدم أهداف الخطاب، ويمنحها معنى آخر ينبِّه السياق إليه، وأحيانًا تبدو الكلمة القرآنية"مفهومًا"يدخر كمًّا من المعاني والدلالات التي يتكشّف عنها عبر العصور كما يكشف الكون عمّا ينطوي عليه، أو يضمه في أحشائه، وكما تكشف الأرض عن كنوزها، وتلك أمور معروفة لأهل العلم بذلك؛ لذلك كانت التلاوة"حق التلاوة"و"التدبّر"و"التفكر"و"التذكر"و"التعقُّل"لآيات الكتاب فرائض دائمة إلى يوم الدين لا تنقطع، ولن يؤتَ نورَ القرآن مَنْ لم يُحسِن التدبُّر فيه، ويستخدم كل تلك المفاتيح المذكورة لتسفر له تلك الآيات عن دلالاتها.
ولذلك كان القرآن المجيد المكنون منبعَ هدايةٍ دائمًا لا ينضب ولا يتوقف، يغني البشريَّة عن سواه: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} "العنكبوت:51".
وفي المفهوم الذي معنا"رجا"نجده ينطوي على"الأمل"بأنواعه، و"التوقُّع"بعمومه و"الاهتمام والمبالاة والاكتراث"بكل ما يمكن أن تعَلَّق به، و"الطمع"بأشكاله ومتعلّقاته. و"الخوف"لازم من لوازم بعض هذه المصطلحات أو المفاهيم الفرعيَّة. و"التوقير"من"الوقار"وهو لازم آخر من لوازم"الرجاء". والسياق بحَسَبِه يستدعي من اللوازم ما يعطي المفهومَ استقراره ومناسبته في الجملة وفي الآية بحيث تصبح لَبِنَةً في بنائه، لا يمكن أن ترفع من ذلك البناء لا على سبيل الاستبدال، ولا على سبيل التغيير.