أما القرطبي (ت: 671) [1] فقد أتى بآراء كثيرة تعبر عن عصور مختلفة، عرضها على أنها مجرد آراء مختلفة في التفسير؛ فمثلًا قال في تفسير"وترجون من الله ما لا يرجون"."قيل: الرجاء، هنا، بمعنى الخوف؛ لأن من رجا شيئًا فهو غير قاطع بحصوله؛ فلا يخلو من فوت ما يرجو، وقال الفرًّاء والزجّاج: لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي، كقوله تعالى:"ما لكم لا ترجون لله وقارا"؛ أي لا تخافون له عظمة؛ وقوله تعالى:"للذين لا يرجون أيام الله"أي لا يخافون. وقال القشيري (ت: 465) ولا يبعد ذكر الخوف من غير أن يكون للكلام نفي، ولكنهما ادعيا أنه لم يوجد ذلك إلا مع النفي والله أعلم". ويقول في تفسير آية الفرقان:"لا يرجون لقاءنا"يريد لا يخافون البعث ولقاء الله، أي: لا يؤمنون بذلك، قال:"إذا لسعته النحل لم يرجُ لسعها"، وقيل:"لا يرجون": لا يبالون، قال:
لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلمًا
على أي جنب كان في الله مصرعي
وقال ابن شجرة: لا يأملون؛ قال:
أترجو أمّةٌ قتلت حسينًا
شفاعةَ جدِّه يوم الحساب
ثم يعود القرطبي، في تفسير آية نوح، فيقول:"قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف: أي ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرةً على أحدكم بالعقوبة أيُّ عذر لكم في ترك الخوف من الله؟ وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء ... ما لكم لا ترجون لله ثوابًا ولا تخافون عقابًا ... عن ابن عباس ما لكم لا تخشون لله عقابًا وترجون منه ثوابًا ... وعن مجاهد والضحاك: ما لكم لا تبالون لله عظمة؟ قال قطرب: هذه لغة حجازية؛ وهذيل وخزاعة ومضر يقولون: لم أرجُ: لم أبالِ" [2] .
(1) في الجامع لأحكام القرآن"5، 375، 8: 311 - 312؛ 13: 19؛ 16: 161: 162؛ 18: 303؛ 19: 179"
(2) وانظر مع ما تقدم الألوسي والشوكاني في"فتح القدير 4: 66 - 67، ولاحظ أثر الزمخشري والرزاي حتى عصر المحدثين."