الصفحة 44 من 50

الخوف لكان ذلك ترجيحًا للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية المنقولة بالتواتر، وهذا يفضي إلى القْدح في القرآن؛ فإنه لا لفظ فيه إلا ويمكن جعل نفيه إثباتًا وإثباته نفيًا بهذا الطريق. والوجه الثاني ما ذكره صاحب الكشّاف (يعني: الزمخشري) ما لكم لا تأملون لله توقيرًا؛ أي تعظيمًا والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم"."

وأخيرًا نورد ما جاء في (309:8) حيث يعود الرازي في تفسير سورة"النبأ"فيقول: إنهم كانوا لا يرجون حسابًا،"فيه سؤالان: الأول- وهو أن الحساب شيء شاقٌّ على الإنسان، والشيء الشاق لا يقال فيه: إنه يُرجى، بل يجب أن يقال إنهم كانوا لا يخشون حسابًا، والجواب من وجوه: أحدها: قال مقاتل وكثير من المفسرين: قوله:"لا يرجون"معناه: لا يخافون. ونظيره قولهم في تفسير قوله، تعالى:"ما لكم لا ترجون لله وقارا". وثانيهما- أن المؤمن لا بد وأن يرجو رحمة الله؛ لأنَّه قاطع بأنَّ ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر، فقوله:"إنَّهم كانوا لا يرجون حسابًا"إشارة: إلى أنّهم ما كانوا مؤمنين. وثالثها- أن الرجاء هاهنا بمعنى التوقعُّ؛ لأن الراجي للشيء متوقّع له؛ إلا أن أشرف أقسام التوقّع هو الرجاء، فسمي الجنس بأشرف أنواعه. ورابعها- أن في هذه الآية تنبيهًا على أن الحساب مع الله؛ جانبُ الرجاء فيه أغلبُ من جانب الخوف؛ وذلك أن للعبد حقًّا على الله (تعالى) ، بحكم الوعد في جانب الثواب؛ ولله (تعالى) ، حقٌّ على العبد في جانب العقاب. والكريم قد يسقط حقَّ نفسه ولا يسقط ما كان حقًّا لغيره، فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى في الحساب؛ فلهذا السبب ذكر الرجاء ولم يذكر الخوف".

ولو أن الإمام ذهب إلى أن"الرجاء"كان يعني،"التوقّع"سواء أكان توقّعًا لأمر مخوّف أو لشيء مرغوب فيه؛ وأن نفي التوقّع هو نفي للخوف لكان أقرب وأولى. وانظر النهاية لابن الأثير التي تشرح غريب الحديث والأثر (72/ 2) :"وقد تكرر فيه ذكر الرجاء بمعنى التوقع والأمل". وينقل ابن منظور في لسان العرب مادة"رجا"، عن"ابن سيده"-بعد أن يقول إن الرجو"المبالاة"، يقال: ما أرجو أي ما أبالي- إن الرجو والرجاء قد يكون أيّهما"بمعنى الخوف". ويقول مقاتل بن سليمان البلخي (ت: 150) (وكان يعيش بين القرنين الأول والثاني للهجرة) [1] "الرجاء على وجهين ... الوجه الثاني، يعني الخشية ..."

(1) "الأشباه والنظائر في القرآن الكريم"ط القاهرة الهيئة العامة للكتاب 1975، ص 168

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت