فإذا انتقلنا إلى القرن الخامس نجد الإمام الطوسي (ت: 460 هـ) -إمام مفسري الإماميَّة، الذي لم يختلف كثيرًا عن معاصريه من السُّنة وسواهم إلا بأنه جعل أصل الباب (يعني المادة اللغويّة) الأمل، وهو ضد اليأس على ما في التبيان له: (314/ 3 - 315) وفي ما عدا ذلك فقد نقل أقوال سابقيه؛ ثم نقل عن الكسائيّ أنّ أهل تهامة يستعملونها بمعنى:"ما أبالي وما أحفل على ما في" (434/ 7 و 167/ 8 و 136/ 10) وقال في"الوقار":"أصل الوقار: ثبوت ما به يكون الشيء عظيمًا من الحكم والعلم ..."ثم قال:"... فالرجاء التوقٌّع لوقوع أمر يُخاف أن لا يكون ...".
أما في القرن السادس فنختار الإمام الرازي نموذجًا. فالفخر الرازي حين بلغ تفسير قوله تعالى: {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ... } (يونس: 7) قال:"وفيه مسائل: المسألة الأولى- في تفسير هذا الرجاء قولان: الأول وهو قول ابن عباس ومقاتل والكلبي؛ معناه: لا يخافون البعث ..."، واسترسل في الاستشهاد لذلك، ثم قال:"والقول الثاني- تفسير الرجاء بالطمع". ولأن الإمام الرازي قد ضم ما كان سائدًا في عصره من معاني"الرجاء والخوف"إلى ما قرّره المتقدمون منذ القرن الهجري الأول فإنّنا نفضل أن ننقل ما قاله كما هو لمزيد الفائدة ولنتيح للباحث أن يلمس بنفسه كثيرًا من القضايا التي نودّ التنبيه إليها فراجع: (التفسير: 545/ 4) .
وأضف إليه قوله:"واعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد؛ لأن تفسير الضد بالضد غير جائز"؛ (تفسير 328:6) ،"قال الفراء: قوله، تعالى:"وقال الذين لا يرجون لقاءنا"، معناه: لا يخافون لقاءنا، ووضع الرجاء في موضع الخوف لغة تهاميَّة؛ إذا كان معه جَحْد. ومثله قوله، تعالى:"ما لكم لا ترجون لله وقارًا"؛ أي لا تخافون له عظمة. وقال القاضي: وجْهٌ لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجُزْ حمله على المجاز. ومعلوم أن من حال عُبَّاد الأصنام أنَّهم كانوا لا يخافون العقاب لتكذيبهم بالمعاد؛ فلذلك لا يرجون لقاءنا ووعدنا على الطاعة، من الجنة والثواب، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب -أيضًا-، فالخوف تابع لهذا الرجاء". ويقول، في تفسير:"ما لكم لا ترجون الله وقارا" (216:8) :"فيه قولان، الأول: أن الرجا، هاهنا، بمعنى الخوف، ومنه قول الهذلي:"إذا لسعته النحل لم يرجُ لسعها: والوقار: العظمة والتوقير: التعظيم. ومنه قوله تعالى:"وتوقروه": ما بالكم لا تخافون لله عظمة. وهذا القول، عندي، غير جائز لأن الرجاء ضد الخوف في اللُّغة المتواترة الظاهرة. فلو قلنا: إن لفظة الرجاء -في اللغة- موضوعة في اللغة بمعنى