الصفحة 42 من 50

أما على مستوى المعنى فقد ذهب المتقدمون إلى أن المراد بها"الخوف"كما أشرنا؛ فقوله: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ ... } أي لا تخافون، لكنّهم ربطوا هذا المعنى بصيغة المضارع المنفي، واستشهدوا عليه بأبيات من الرجز والشعر الجاهلي. ولم يجوزوا أن يكون المراد بها"الخوف"مطلقًا، فمنعوا أن يقال:"رجوتك"وإرادة"خفتك"، ولا"خفتك وإرادة رجوتك"ومن الرجز الذي أورده، قول الراجز:

لا ترتجي حين تلاقي الذائدا

أسبعة لاقت -معًا- أم واحدًا

وقول الهذلي:

إذا لسعته النحل لم يرجُ لسعَها

وخالفها في بيت نوب عواسل [1]

ثم يأتي الطبري (ت: 310) في القرن الثالث الهجري فينقل في سائر المواضع التي وردت مادة"الرجاء"فيها لتتقيّد بالمعاني التي وردت فيها لدى قبائل العرب، ويحمل الآيات عليها، ويمكن تتبع ذلك في أجزاء التفسير التي وردت المادة فيها. لكنّه تردد في توكيد كونها مجازًا في"الخوف"، ونبّه إلى أنّها مستعملة على سبيل الحقيقة ولو في لغة الحجازييّن.

فإذا انتقلنا إلى أواخر القرن الرابع الهجري نجد عالمْين من أبرز علماء تلك الفترة، هما: الزمخشري (ت: 538) والراغب الأصفهاني (ت: 503 هـ) . أما الزمخشري فقد ذكر في تفسيره للآية السابعة من سورة يونس: {لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} لا يتوقعونه أصلًا ولا يخطِرونَه ببالهم لغفلتهم المذهلة بالّلذات وحبّ العاجل، عن التفطُّن للحقائق، أو لا يأملون حُسْن لقائنا كما يأمله السعداء، أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يُخافْ [2]

أما الراغب الأصفهاني (ت: 503 هـ) في مفرداته فقد صاغ للرجاء تعريفًا فقال:"... ظنٌّ يقتضي حصولَ ما فيه مرّة"، وذكر معنى"الخوف"بصيغة التضعيف والتمريض في بيان المراد بالآية في"سورة نوح"، فقال:"قيل: ما لكم لا تخافون"، ثم وجّه ذلك بأن الرجاء والخوف يتلازمان. وحاول أن يعزّز تعريفه للرجاء بقول العرب:"أرجت الناقة"-أي: جعلت لصاحبها رجاءً في نفسها بقُرب نتاجها.

(1) وراجع معاني القرآن للفرّاء في (286/ 1) و (256/ 2) حيث ذكر أن لغة تهامة وضع الرجاء في موضع الخوف إذا سُبق بجحد. والفراء من علماء القرن الثاني الهجري.

(2) ويراجع ما قاله في تفسير آية الفرقان، وما أورده في المادة في كتابه اللغوي"أساس البلاغة". والتفاته إلى الاستعمال الحقيقي والمجازي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت