الصفحة 41 من 50

عليها. وبذلك سيتضح للباحث المتتبّع حيويّة"مفردات القرآن"وفاعليّتها، وكونها مفاهيم كاملة، وليست مفردات لفظيّة كما ذهبتْ إلى ذلك بعض أوهام المتقدّمين، وبعض المتأخرين ولعل مَنْ أوائل من التفت إلى هذا الجانب من علمائنا"الراغب الأصفهاني"حيث بنى على ذلك كتابه"المفردات أو مفردات القرآن"لكنّ الراغب عني بتتبٌّع المفردات في آيات القرآن لتحديد المعاني التي اشتملت عليها استنادًا إلى السياق الذي وردت فيه، أما"التتبّع التاريخي"الذي نعنيه فإنَّه يشتمل على جهد الراغب ويضيف إليه. وهو في الوقت ذاته يحاول أن لا يُجري على معاني مفردات القرآن المجيد أحكام ومعاني"التطوّر الدلاليّ"للمفردات اللَّغويَّة لئلا نقع في نسبة"مفردات القرآن المطلق"إلى النسبيَّة والتغيُّر، وهو أمر لا نقرُّه ولا نقبله. ولعل من الأمثلة لما ذكرنا:

1."رجا":

كانت هذه الكلمة قبل عصر التنزيل وأثناءه شائعة لدى الحجازيّين بمعنى"الخوف"، وكانوا يستعملونها منفيَّة، وبصيغة المضارعة في الأعمّ الأغلب، وبمعنى"اللامبالاة"عند هذيل وخزاعة ومضر. ويغلب استعمالها عندهم بصيغة المضارع للمتكلم منفيَّة كذلك، نحو"لم أرجُ"ويقال أيضًا:"لم يرجُ"للغائب بمعنى: لم يبالِ ولم يحفل. وفي لغة تهامة كانت تفيد"الخوف"، قال الزمخشري: على سبيل المجاز!!

وقد استوعب القرآن الكريم ذلك -كلّه- وانفتح عليه، واستعملها في الحسيّ والمعنويّ، فجاء فيه: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} "الحاقة:17"أي: جوانبها أخذًا من"رجا البئر"أو السماء أو الأرض أو الشيء أي: جانبه.

وفي المعنويّات: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} "نوح:13"وقوله: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} "النساء:104"، {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ} "التوبة:106"، وقوله: {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} "يونس: 7"وقوله في السورة نفسها: { ... فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (يونس: 11) {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ ... } "الفرقان:21".

فالقرآن المجيد قد استوعب في هذه الآيات لغات العرب، وأساليبهم فجاءت منفيّة ومثبتة: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} ، وجاءت بصيغة اسم المفعول:"مرجون"وفي صيغة الاسميَّة:"أرجاء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت