نفسه قد صادر من البدوي أو الأعرابيّ هذه المهمة، فقال تعالى: {قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} "الحجرات:14"، وقال تعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} "التوبة:97".
ومن هنا فإنَّنا نستطيع أن نخلص إلى القول بأنَّه ليس من المعقول أبدًا أن يكون الأعراب أو ما سموه"بديوان الجاهلية"من شِعْرهم، هو الحكم والمرجع في فهم معاني القرآن. فإن وحدةَ الشيء ووحدة المعنى والمضمون والأفكار والمعارف التي يحملها اللّفظ شيء، والكتابَ الذي فُصِّل بعلم الله ومن لدنه شيء آخر، فهو كتاب لا يمكن أن يتحكم في معانيه شعرٌ أو نثرٌ فُصِّل بعلم الأعرابيّ وعلى قدْر فهم البدوي، ولا يمكن التسوية بين الاستعمال إلآلهي المتحدِّي المعجِز للسان وبين استعمال البدو أو أهل اللسان؛ فحاكميَّة الكتاب الكريم تأبى ذلك. والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا، ويفسَّر بـ"الجمع بين القراءتين": قراءة الكون المخلوق، وقراءة الكتاب المسطور [1] . ويمكن أن"يُستأنس"بما ورد عن العرب من قريش ومَنْ إليها ممن نزل القرآن بلسانهم للحصول على مزيد من الفهم، ويبقى القرآن متعاليًا مستوعبًا ومتجاوزًا يَحْكم ولا يُحْكم عليه، يُهيمِن ولا يُهيمَن عليه، ويَقْضِي ولا يُقْضَى عليه.
إننا حين نأخذ أية كلمة من مفردات القرآن الكريم، ونَتَتبَّع معانيها ومسيرتها وصيرورتها ودلالاتها عبر العصور بدءًا من عصر التنزيل، فسيتضح لنا أن هذه المفردات تنفتح في كل عصر على مستجدَّاته وإشكاليَّاته لتستوعب تلك المستجدات وتقوم بترقيتها لتنفتح على معانٍ أخرى في وقت لاحق. ولذلك فإن التعامل مع"مفردات القرآن"لا يمكن أن يتم بطُرق التحليل اللًّسانيًّة البشريًّة المعاصرة، بل يحتاج الباحث إلى تتبُّع"تاريخ المفردة قبل عصر التنزيل"، ثم دراسة معناها في"الاستعمال القرآنيّ في عصر التنزيل"، ثم تتبع مسيرتها بعد ذلك؛ ليتضح ما ذكرنا بأجلى أشكاله. وسنقدم في هذه العُجالة نموذجًا يمكن القياسُ
(1) راجع الحلقة الثانية من هذه السلسلة"الجمع بين القرائتين"وكتاب سعيد النورسي"عصا موسى"الحجّة الإيمانيَّة الأولى ص (115 - 170) ط. مصر الأولى عام 2003 شركة سوزلر للنشر- مدينة نصر الحي السابع.