الصفحة 39 من 50

على الفعل المضارع وقول بعضهم:"وقد ورد في القرآن شذوذًا في قوله تعالى {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} "الحجر:2"، فقال رحمه الله:"اتفقوا على أن كلمة"رُبَّ"مختصّة بالدخول على الماضي كما يقال: ربَّما قصدني عبد الله، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها. وقال بعضهم: ليس الأمر كذلك والدليل عليه قول الشاعر: [ربما تكره النفوس من الأمر] .

وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنَّا بينَّا أن كلمة"رُبَّ"في هذا البيت داخلة على الاسم، وكلامنا في أنها إذا دخلت على الفعل وجب كون ذلك ماضيًا، فأين أحدهما من الآخر؟ إلا أني أقول: قولُ هؤلاء الأدباء: إنَّه لا يجوز دخول هذه الكلمة على الفعل المستقبل لا يمكن تصحيحه بالدليل العقليّ، وإنّما الرجوع فيه إلى النقل والاستعمال، ولو أنَّهم وجدوا بيتًا مشتملًا على هذا الاستعمال لقالوا: إنَّه جائز صحيح. وكلام الله أقوى وأجلُّ وأشرف، فَلِمَ لمْ يتمسكوا بوروده في هذه الآية على جوازه وصحّته" [1] ؟ فالقرآن هو المهيمن على اللُّغة التي اختارها الله وعاءً لمعانيه ولسانًا له، ولا يهيمن عليه سواه."

تاسعًا- قد نجد لأبي إسحاق ومَنْ إليه عُذْرًا فيما ذهبوا إليه إذا استحضرنا ما ذهب إليه الباطنيَّة ومَنْ إليهم من أصحاب التفسير الرمزيّ أو الإشاريّ أو الباطنيّ، فالقرآن هو الذي يتحكم باللُّغة التي اختار كلماتها وعاءً لمعانيه المطلقة ولا تتحكم اللّغة فيه كما لا يجوز لأحد أن يلحق به ما شاء احتجاجًا بأفكار الرمز والإشارات وغيرها من القضايا التي يفرض أصاحبها على القرآن من المعاني ما لا يندرج تحت معانيه أو مقاصده وغاياته وأهدافه.

إن القضايا المعرفيَّة الكبرى والقضايا العلميّة الكليّة ينبغي ألا تشاد على ردود الأفعال وغّلقْ الذرائع ونحوها؛ بل لابد لها من سند علميّ متين يقرر العالم على أساسٍ منه ما يريد أن يقرره. وفكرة"أمّية الأمة"وسوء فهم حديث:"إنَّا أمَّة أميَّة لا نكتب ولا نحسب ..." [2] ، والانحراف في تفسيره قد جَّر على الأمة ويلات وانحرافات فكريَّة لا نزال نعاني منها حتى اليوم. كما أن تحكيم فهم"البدو والأعراب"في بيان المراد بالقرآن انحراف لا يقل خطورة عن الجنوح نحو التأويلات الرمزيَّة والباطنيَّة المنحرفة؛ بل إن القرآن

(1) - راجع التفسير الكبير، للفخر الرازي (19/ 153) .

(2) - الحديث رقم 1814 في صحيح البخاري، ورقم 1080 في صحيح مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت