الأعراب والعرب وأميّوهم وعامّتهم قادرين على الوصول إلى معانيه والمراد به، وأن على القرآن أن لا يرتقي عن مستوى إدراكهم فكيف يكون الإعجاز؟ إن القرآن معجِز في نظمه ولغته، وهذا أمر لا خلاف فيه بين أهل البلاغة، وقد أضاف المعاصرون إلى وجوه إعجازه الكثيرة ما اصطلحوا على تسميته"بالإعجاز العلميّ" (ولنا فيه نظر) ، وهناك الإعجاز التاريخيّ، وإعجازه في قوة تأثيره وقدرته على إصلاح القلوب والعقول والأنفس وبناء الأمم والمجتمعات! والمتقدمون والمعاصرون يجمعون على إعجازه النُّظُمي والتشريعي فكيف تكرس أمّية الشريعة بهذا الشكل الذي أطلقه أبو إسحاق؟ وإذا لم يكن لنصوص القرآن خاصّة فضاء يستوعب الزمان والإنسان والحضارات والثقافات في سائر عصورها فكيف تكون شرائعه صالحة لكل زمان ومكان؟
سابعًا- إن تحكيم جيلٍ محدَّد بمواصفات الأميّة -كما فهمها أبو إسحاق ومَنْ إليه- في الكتاب الكريم يصادر أفهام الأجيال التالية، ويعفيها من سائر الأوامر الواردة في ضرورة تدبّر القرآن والتفكّر فيه وتعقّله وتذكّره والاجتهاد في ذلك كله، ويجعل منه نصًّا مرتبطًا بواقع عصر النزول تتشكل كل معانيه وفقًا لآفاق ذلك العصر المعرفيَّة، وليس أمام الأجيال التالية إلا التقليد والقياس على ما أنتج في ذلك العصر، وسيكون أبو إسحاق -في هذه الحالة- قد تجاوز بنفسه ما قررَّه من مقاصد الشريعة والقواعد والضوابط التي بنى عليها نظريَّاته فيها إذ كل ما قرّره لم يكن شائعًا في جيلي التلقي والرواية.
ثامنًا- إن مما يدعو إلى العجب أن أبا إسحاق قد توفى سنة (790 هـ) ؛ أي نهاية القرن الثامن؛ أي بعد أن قامت"الحضارة الإسلامية"وعلومها وفنونها وعمرانها والكثير من دولها في المشرق والمغرب، فهل كان ذلك -كله- نتاج"الأمّية والأمّيين"ولو أن العرب استمروا في"أمّيتهم"كما فهمها أبو إسحاق ومَنْ إليه هل كانت تظهر هذه الحضارة التي ما عرف الناس قبلها ولا بعدها حضارةً أقرب إلى إنسانية الإنسان منها؟
إن أمانة أهل العلم أن يحكّموا القرآن في كل ما عداه، لا أن يتخذوه شواهد يُستشهد بآياته لتعزيز ما يجرى بناؤه [1] من مقالات ومذاهب. ولقد كان الإمام الرازي موفّقًا ودقيقًا حين لام النحاةَ لومًا شديدًا وعنَّفهم تعنيفًا كبيرًا على قولهم: بعدم جواز دخول"ما"على"رُبَّ"ودخولها
(1) - راجع كتاب عياض السلمى"استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة"لتر كيف اتخذ الأصلان العظيمان مصدرًا للشواهد أكثر من كونهما مصدرًا لإنشاء الأحكام وبيانها.