مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغَه جهدهُ حتى يشهد به أن"لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله"، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افتُرض عليه من التكبير، وأُمر به من التسبيح، وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله -تعالى- لسان من ختم به نبوَّته، وأنزل به آخر كُتبه، كان خيرًا له ولا غضاضة على أحد في ذلك فالله -تبارك وتعالى- قد اختار أن يخاطب البشرية خطابه الأخير بهذا اللسان، واختار لحمل هذا الخطاب وتبليغه للناس رسولًا من أنفسهم، ناطقًا بلسان قومه ليبدأ بهم، ويجعل منهم أول الحاملين للرسالة، يبلّغون عن الله -تعالى- وعنه ما أنزل إلى رسوله الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد أخرجت هذه اللغة بعد نزول القرآن بها من المحيط الواقعي الذي تكونت وتشكلت فيه ومن الإطار القوميّ؛ لتصبح لغة"أمّة قطب"بين الأمم، شاهدة عليهم؛ وليصبح ذلك اللسان لسانًا ثقافيًّا يبني ويؤسس لثقافة عالميَّة، كونيَّة مشتركة ويعبر عنها، وكلُّ من نطق بها باعتباره لسان الأمَّة، أو تعلَّمه بعد ذلك فإنه عربيٌّ؛ فهي اللُّغة الوحيدة التي صارت وسيلة انتماء لثقافة وحضارة وأمة، وإسهام العلماء غير العرب في بنائها وإنمائها ووضع قواعدها وقوانين نحوها وصرفها وبلاغتها أمر من البديهيَّات. وقد تجاوزت هذه اللُّغة العرب في ذلك كله، وجعلت من الناطقين الجُدد بها مراجعَ في ذلك للعرب أنفسهم، وقد سأل هارون الرشيد (ت: 189) عن أبرز علماء العربية في عصره فذكروا له عددًا كلهم من غير العرب، ثم ذكروا الكسّائي من العرب حين رأوا تغيّر وجهه [1] .
إن القرآن المجيد قد خلا بفضل الله - تعالى- من سائر عيوب الألسن بما في ذلك"اللسان العربيّ"نفسه؛ فلا تناقض فيه ولا اختلاف، ولا غموض ولا إبهام، ولا زيادة ولا تكرار، ولا ترادف ولا اشتراك؛ فهو قد استوعب محاسن اللسان العربي وتجاوز أيَّ عيب فيه بإعجازه وتحديّه، وعصمته وإحكام آياته وتفصيلها بعلمه -تبارك وتعالى-، فيستحيل أن يخالطه غيرُها، ويستحيل أن يناله تغيير أو تبديل.
(1) - انظر ما دار من جدل بين سيبويه والكسائي العربيّ حول"مسألة العقرب"، وذلك في حضرة البرامكة وما أشير إليه من أن شهادة العرب للكسائي إنما جاءت لتعزيز موقفه كإمام عربي في النحو ومقّرب من الخليفة هارون الرشيد. راجع تفاصيل المسألة في"مغني اللبيب"لابن هشام، طبعة المطبعة الأزهرية المصرية، 1317 هـ"1/ 74 - 75."