الصفحة 29 من 50

أهلَ كتابٍ هو القرآن بعد أن نزل عليهم أعظمُ كتاب وآخِر الكتب وأهمها؟ أيخرجهم الكتاب من الظلمات إلى النور ولا يخرجهم من الأميَّة؟ وهو لإخراجهم منها نزل؟ ولقد سمى الله -تعالى- بعضَ أهل الكتاب الذين لم يتقنوا فهمَ الكتاب وعلمه بالأميِّين تقليلًاَ من شأنهم وتحقيرًا لهم؛ فقال تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} "البقرة: 78". فلو أن القرآن نزل ليكون في مستوى البدو والأعراب والعرب: القادرين منهم والعاجزين فهل يمكن أن يرتقي فهمهم إلى الآفاق التي استهدف القرآن الارتقاء بحملته -في مختلف العصور- إليها؟ وقد أوصلهم إليها فعلًا. وهل كان الصحابة في مستوى واحد في فهمهم للقرآن، وفي أخذهم عن رسول الله؟ لو كانوا كذلك فما الذي ميًّز قرّاءهم عن عامّتهم؟ وما الذي ميزّ أولئك السبعة عن غيرهم؟ وبمَ تميّز الخلفاء الأربعة وابن عباس وابن مسعود وبقية العبادلة وأمّ المؤمنين عائشة وزيد بن ثابت عن الآخرين؟ أم أن الأميّة -في نظر أبي إسحاق- قدرٌ ثابت لا يتغيَّر، وكأنها آدميَّة الإنسان وإنسانيَّته لا تزايله ولا تفارقه! إنًّ مما استدل به أبو إسحاق آية سورة العنكبوت: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} "العنكبوت:48"، والآية صريحة بأنه بعد نزول الكتاب عليه صار تاليًا يتلو عليهم آيات ربهم، وهذا قد قاد بعضهم إلى تبنّي فكرة زوال وصف الأميَّة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بهذا المعنى بعد نزول القرآن، فالذين فسّروا الأميَّة بأنَّها صفة لمن لا يقرأ ولا يكتب قالوا: إنَّه لم يرد ما يدل على تعلّمه -صلى الله عليه وآله وسلم- الكتابة؛ والتلاوة وحدها لا تكفي لزوال وصف الأميَّة عنه. والذين قالوا بأنّ القرآن أو التلاوة وحدها كافية لإزالة وصف الأميَّة قالوا: بأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يعد أمّيًا بعد بدء نزول القرآن عليه [1] .

ابن تيمية(ت: 728)وموقفه من الأميَّة:

وهذا ابن تيمية يقول:"إن الأموَّة _يعني الأميَّة- صفة نقص، ليست صفة كمال، فصاحبها بأن يكون معذورا أولى من أن يكون ممدوحًا" [2] ، وتحدث كذلك عن أمّيّة العرب فقال:"فلم يكن لهم كتاب يقرؤنه منزل من عند الله كما لأهل الكتاب ولا علوم قياسيَّة"

(1) - راجع"الشفاء"للقاضي عياض، دمشق: دار الوفاء للطباعة والمنشر، 1972.

(2) - راجع الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، (25/ 166) . علمًا بأنّ شيخ الإسلام من حيث الأرومة أو الجذور العرقيَّة كرديٌّ شرف به العرب والمسلمون كافّة، كما شرفوا بصلاح الدين -تغمده الله برحمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت