مستنبطة كما للصائبة ونحوهم، وكان الخطّ فيهم قليلًا جدًا، وكان لهم من العلم ما يُنال بالفطرة التي لا يخرج الإنسان بها عن الأموّة العامة كالعلم بالصانع سبحانه وتعالى، وتعظيم مكارم الأخلاق وعلم الأنواء والأنساب والشعر فاستحقوا اسم الأميَّة من كل وجه"، كما قال الله -تعالى- فيهم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} "الجمعة:2"وقال تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا} "آل عمران:20"قال ابن تيمية:"فجعل الأمييِّن مقابلين لأهل الكتاب، فالكتابيُّ غير الأميّ"، ثم قال يرحمه الله:"فلما بعث فيهم رسول الله ووجب عليهم اتِّباع ما جاء به من الكتاب وتدبّره وعقْله والعمل فيه -وقد جعله تفصيلًا لكل شيء، وعلمهم نبيهم كل شيء حتى الخراءة- صاروا أهل كتاب وعلم، بل صاروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة، وزالت عنهم الأميَّة المذمومة الناقصة، وهي عدم العلم بالكتاب المنزّل، إلى أن علموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب. كما قال فيهم سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة} "الجمعة:2"فكانوا أميين من كل وجه. فلما علمهم الكتاب والحكمة قال فيهم: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} "فاطر:32"وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} "الأنعام:155،156"وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} "آل عمران:164"وقال تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} "البقرة:129".
فصارت هذه الأمية: منها ما هو محرَّم ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو نقص، وترك الأفضل [1] . فمن لم يقرأ الفاتحةَ أو لم يقرأ شيئًا من القرآن يسميه الفقهاء في"باب الصلاة"أميًّا، ويقابلونه بالقارئ فيقولون: لا يصح اقتداء القارئ بالأميّ ويجوز أن يأتم الأميّ بالأميّ، ونحو ذلك من المسائل وغرضهم بالأميّ هنا الذي لا يقرأ القراءة الواجبة سواء
(1) - المصدر السابق. وكذلك العالمية الإسلامية الثانية، محمد أبو القاسم حاج حمد (2/ 156) .