وينفصل عنه عندما يريد، ويهيمن عليه في سائر الأحوال. وما التحدي والإعجاز -خاصّة- بالنظم والأسلوب والبلاغة والفصاحة إلا بعض مظاهر الانفصال عن لسان العرب انفصال"المسك عن دم الغزال" [1] .
وإذا لم يكتشف اللسانيوّن الفرق بين اللّغة واللّسان إلا في القرن الميلادي التاسع عشر فإنّ القرآن المجيد قد نبَّه إلى ذلك الفرق الدقيق في تنزيله، وفهم العرب ذلك عنه، فصاروا يقولون:
اللسان العربي ولسان القرآن ولغة هذيل ولغة قريش ولغة الشافعي (ت: 204) ... الخ [2] .
إن هناك دراسات وتحليلات كثيرة صدرت في بيان أسباب تفكك"الدولة العثمانيَّة"، وانهيارها. كثير منها له أهميَّته، لكن هناك سببًا أساسيًا لم يلتفت إليه كثير من الكاتبين والمحلّلين، ألا وهو إهمال الدولة العثمانيَّة"للسان القرآن واللُّغة العربيَّة"فقد ساعد ذلك الإهمال على إبقاء الشعوب المنضوية تحت الراية العثمانيَّة في حالة فصام وانقطاع فكريّ وثقافيّ ومعرفيّ لم تُجْدِ في التخفيف من آثاره عمليّاتُ الضمّ والتوحيد السياسيّ والعسكريّ، فبقيت العلاقة ضعيفة هشَّة بين الشعوب التي ضمّتها الدولة العثمانية، فسهل تفكيكها تحت
(1) هذا البيت:"فإن اتفق الأنام وأنت منهم ... *** ... فإن المسك بعض دم الغزال"
من الوافر للمتنبي في رثاء والدة سيف الدولة من قصيدة مطلعها
نعدّ المشرفية والعوالي ... *** ... وتقتلنا المنون بلا قتال
(2) والفرق بين اللسان واللغة: إن اللغة قد يتوصل إل فهمها بدون لسان، فالإشارة لغة، والكتابة لغة بل وأي شيء يصدر عنه صوت فهو لغة، ومن ذلك سمي صوت الطائر"لغا"قال تعالى: {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} (آل عمران: 41) فسمى الله تعالى الرمز والإشارة كلامًا وكذا الرسومات والتصاوير فإنها معبرة وحاكية ولكنها ليست ناطقة فلا يقال لها"ألسن".
واللغة عادة ما تكون حبيسة عادات وموروثات إقليمية إلا أن الإنسان أعم منها فهو أوسع تعبيرًا بدليل أن اللسان الواحد يستطيع أن يتكلم أكثر من لغة.
وهذا يتضح من كلام الله تعالى {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء: 195) {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} (مريم: 97) فالبيان والتيسير فيهما معنى الشمول والكمال بهذا اللسان الذي سوف يهيمن على كل اللغات وترغب إليه كل الألسنة. قال تعالى {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا} (الأحقاف: 12) أي: مصدق على ما قبله وعلى ما بعده. واللسان هو: الجارحة، والكلمة، والفصاحة، والنطق، والمقالة، والرسالة، وقد يطلق اللسان ويراد به اللغة كما في قوله تعالى: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} (اليوم: 22) أي: لغاتكم واللهجات والنغمات. يقول الراغب:"فإن لكل إنسان نغمة مخصوصة يميزها السمع، كما أن له صورة مخصوصة يميزها البصر"مفردات القرآن (مادة: لسن) ا.
واللغة كما في اللسان: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم.
أما اللسان فصاحب ذلك التعبير ويريده والدال عليه ويستطيع أن يصيغ اللغة في أكثر من عبارة بمعان مختلفة.
بل قد يكون المنشأ واحدًا واللغة واحدة واللسان كذلك في الأصل لكنه يختلف في البيان والإفصاح، قال تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} (القصص: 34) .