ضغوط المدّ القومي القادم من أوربا الناهضة، ولم تُجدِ المحاولات الإصلاحية [1] في المجالات الأخرى شيئًا في توحيد الشعوب العثمانيَّة وتحويلها إلى أمَّة، ولو أنّهم وفِّقوا لاكتشاف هذا الجانب في وقت مبكر ووحَّدوا لغة تلك الشعوب، واتخذوا اللّغة العربيّة و"لسان القرآن"لغة فكر وثقافة وعلم ومعرفة، لتمكنوا من إعادة بناء الأمَّة وتوحيد كلمتها، ولو جدت الدولة مَنْ يدافع عنها، ويتمسَّك ببقائها، ويقاوم أعدائها. لقد كانت تلك الدولة رمزًا لوحدة الأمَّة، وعلامة على حياتها وحيوّيتها وبتفككها انهار ذلك الرمز الأخير لوحدة الأمَّة، الذي كانت بدايات تفككه حين عجز عن تبنّي اللّغة العربيَّة، ولم يحاول جمع الشعوب العثمانيّة عليها، لتوحيد فكرهم ومشاعرهم وثقافتهم، وإيجاد فرص التداخل بينهم بكل أنواعه!!.
والمراقب لأحوال العرب والمسلمين يستطيع أن يدرك دون حاجة إلى بصر حديد أنّه لو كان العرب موحَّدين لما سقطت بلدانُ ومناطق عربيّة لها موقع القلب من الكيان العربي. ولو أن الوحدة أو الاتحاد أو التنسيق الجادّ -في أقل تقدير- وُجد بين المسلمين لما استبيحت بلدان مسلمة عزيزة غالية، ولما نُهبت ثروات الأمّة، وانتهكت حرماتها ومقدراتها. واللّغة العربيّة دعامة الأساس وحجر الزاوية لهذه الوحدة، عندما توجد الإرادة الصادقة.
إنّ أهم ما تتوقف عليه حياة الأمَّة المسلمة ونهضتها -والعرب في موقع القلب منها- هو وعيُها بوحدتها، ومبادرتها إلى إعادة بناء دعائمها وفي مقدِّمتها اللّغة، ومعالجة أزمة الثقة بين الشعوب على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وجذورهم العرقيّة، ثم معالجة أزمة الثقة بين الشعوب وحكامها. ويمكن التدرج في تحقيق هذا الهدف المهمّ، واتخاذ الخطوات الجادّة الراسخة لتحقيقه ولو بعد حين. وقد يكون في"الأنموذج الأوروبيّ" [2] مثال لأمتنا يمكن الاستفادة به.
(1) مثل محاولات سلمان القانوني، ثم سليم الثالث وغيرهما، راجع: محمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية (تحقيق د. إحسان حقي) ، بيروت: دار النفائس، ط 6، 1408 هـ/ 1988 م، ص ص 251 - 252، 370 - 371، 484 وما بعدها وقد ورد أن أحد سلاطين آل عثمان قد استفتى بعض علماء السلطنة حول ما إذا يجب اعتبار"لسان القرآن"اللسان الرسميّ للدولة وشعوبها، فأفتوه بالسلب، وأنّه لا داعي لذلك. غفر الله لنا ولهم هذا الحوب الكبير!!
(2) النموذج الأوروبّي:
بدأت المجموعة الأوروبية سعيًا حثيثًا وجادًّا نحو الوحدة الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد حققت نجاحًا في سائر المجالات الاقتصادية والنقدية والسياسية والاتصاليَّة، لكن هناك مشكلة يلاحظها الزائر إلى عاصمتي أوروبا الموحَّدة"ستراسبورغ وبروكسل"والبرلمان الأوروبي بصورة خاصة؛ وهي تعدد اللغات. فالبرلمان الأوروبي كان يتعامل باثنتي عشرة لغة، ويتعامل -الآن- بخمس وعشرين لغة، وهذه اللِّغات كلها قد ارتبطت بجذور عرقية وبثقافات مختلفة، وهي محمَّلة بأدبيّات الحروب والنزاعات منذ كانت أوروبا قسمة بين قبائل"الجرمان والنورمانديين والفايكنغ والأنكلوساكسون والغالة"وغيرها من قبائل لم تكن تهدأ الحروب بينها إلا لتثور من جديد لأتفه العوامل وأبسط الأسباب. ولم تتوقف الصراعات والنزاعات بين الأوروبيين حتى حين أخذ التطور مداه وأصبحت تلك القبائل دولًا قومية حديثة. ويكفي دليلًا على ذلك أن يشهد النصف الأول من القرن الماضي -وحده- حربين عالميتين أشعلت أوارهما وقادتهما دول أوروبا القوميَّة المتطورة الحديثة. لكن الذي يُحمَد لأوروبا وقادتها أنهم استطاعوا أن يوظّفوا مآسي الحربين وبخاصة الحرب العالمية الثانية ليجعلوا منها مشاعل لإضاءة طريق السلام، والتفاهم والتنسيق، ثم الوحدة المنتظَرة بينهم. ومع تغلُّب الأوربيين على كثير من العقبات وهم في طريقهم إلى الوحدة، لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب عمله. وقضية"اختلاف الألسن والثقافات"تمثَّلان ثغرة أساسية وواسعة في الجدار الوحدوي الذي بنوه وتحتاج إلى معالجة لن تكون سهلة. وقد جعل ذلك الكثيرين من مفكري أوروبا يتساءلون عن أفضل السبل للتغلب على هذه القضية؟ ويحتارون في الوصول إليها في حين حسم لسان القرآن هذه الإشكالية الكبرى بين العرب والمسلمين، ولم يحوجهم إلى الكثير ليحققوا ذلك! فما هو الدرس المستفاد الذي يمكن أن تستلهمه شعوبنا وقياداتها الفكرية خاصّة؟.
وهذا بعض ما نهدف إلى كشفه وإثارته في هذه الحلقة، فلست معنيًّا بالشأن الأوروبيّ أو متخصّصًا فيه، ولست معنيًّا بتقديم مقترحات إلى الأوربيّين، بل أنا معنيٌّ باللسان العربي وعمقه الإسلامي، والعمل على معرفة السبيل القويم الميسَّر لتوحيد العرب والمسلمين ولو بعد حين، أو التأليف بينهم من جديد وتوظيف"لسان القرآن"واللّغة العربية التي منحها القرآن الاستمرار والخلود في تحقيق هذه الوحدة!
ودعوتنا للنظر في هذا النموذج لا تحمل أي حضٍّ أو حثٍّ على التقليد والمتابعة، بل هي دعوة لتوكيد أن ما يراه البعض مستحيلًا هو ممكن وله نماذج كثيرة واقعيَّة في مقدمتها"النموذج الأوربيّ". إنّ ما بين العرب والمسلمين من اختلافات لا يبلغ معشار ما بين الأوربييّن، ومع ذلك فحين خلصت النيات لتحقيق الهدف واستقامت النوايا، واقترنت بالإرادة والفاعليَّة، تحقق ذلك الذي كان يعد من المستحيلات في النصف الأول من القرن الماضي في فترة لا تعد طويلة في أعمار الأمم.