الحمد لله رب العالمين، نستغفره ونستعينه ونستهديه ونصليّ ونسلم على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه ودعا بدعوته إلى يوم لقاه.
ثم أمّا بعد: فإنّنا نحمد الله ونشكره أن وفق لإصدار حلقات ثلاثة من هذه السلسلة المباركة"دراسات قرآنيَّة"وهذه هي الحلقة الرابعة من هذه السلسلة التي نسأله تعالى- أن يعين ويساعد ويسدّد لمواصلة العمل فيها حتى الفراغ منها لتتضح بذلك معالم مشروعنا في خدمة القرآن المجيد، وإعادة كتابة"علوم القرآن"على الوجه الذي يساعد على تقديم القرآن المجيد لأبناء هذا العصر باعتباره كتاب استخلاف وكتابًا كونيًّا معادلًا للوجود وحركته، نعمل على إعادة اكتشافه وتلاوته"حق التلاوة"وقرائته بوعي قادر على استيعاب شروط الوعيّ العالميّ المعاصر بمناهجه المعرفيَّة الفاعلة لأنّ هذا المنهج -هو ما سوف يساعدنا -بإذن الله- على أن نثبت لعالم اليوم أن القرآن المجيد المكنون الكريم قادر على مخاطبة عالم اليوم في أعلى درجات تقدُّمه، وفي مستوى سقفه المعرفيّ، وقادر على الأخذ بيد الإنسان المعاصر لإخراجه من أزماته، وتجاوز مشكلاته؛ وذلك إذا تمكن حملة القرآن المجيد من أن يكتشفوا خصائص القرآن، ويكشفوا عنها للعالم، ومنها خصائص"لسان القرآن"؛ وهي خصائص كثيرة متعددة تناولها العلماء قديمًا وحديثًا، فهناك خصائصه البلاغيَّة والأدبيَّة واللغويّة والنحويّة والصرفيَّة والبيانيَّة والنظميَّة، وخصائص الأسلوب وغيرها من الخصائص التي جعلت من هذا القرآن أعظم آية آتاها الله -تبارك وتعالى- هذه البشريَّة، وأنزلها على خاتم أنبيائه ورسله الذي جاء البشريَّة على فترة من الرسل الذين شاء الله -تعالى- أن يجعله - صلى الله عليه وسلم - خاتمهم وآخرهم، فبه كمل نصيب البشريَّة من النبيِّين، كما جعل في القرآن كفاية الإنسانيّة من نور الهداية الإلهيَّة: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (العنكبوت: 51) .
وهذه الخصائص تتنوع وتتعدد بتعدد وتنوع زوايا النظر، وتنوع المتدبرين، وهي غير قابلة للحصر؛ لأنّ القرآن مطلق والإنسان نسبيٌّ وليس من شأن النسبيّ أن يحيط بالمطلق، أو يحصر صفاته وخصائصه المطلقة، ولكل متدبّر لآيات هذا الكتاب الكريم نصيب، فكل متدبِّر يأخذ بالخصائص التي يقارب القرآن المجيد من زاوية النظر إليها.