مواقفها بالتفسير والتأويل ووضع الحديث أحيانًا، واختلاق قصص حول الخطاب لحمله على ما تفيده تلك القصص خاصة القصص الإسرائيلي وعلى ما يعزز مقالات أصحاب المقالات. و"اللغة"مرجعية لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها في علاقتها بالخطاب، لكن إثارة شيء مثل هذا حولها، وتفريق بعض كلمات النصّ بين القبائل والشعوب قد يعطي لأهل التأويل فرصة أكبر للتقليل من شأن"الدليل السمعي"-بعامة- وإضعافه وتقديم"الدليل العقلي"بديلًا عنه، أو لا أقل من وضعه في مواجهته، وفي ذلك ما فيه، وقد حدث ذلك بالفعل [1] .
والانقسامات لم تقف عند الدائرة الاعتقادية بل سرعان ما تجاوزتها إلى الدائرة الأصولية والفقهية، فانقسم المنشغلون بهذه العلوم إلى"أهل حديث"و"أهل رأي" [2] ، وحتى مدارس النحو واللغة آلت إلى مدارس فكرية أبرزها مدرستا الكوفة والبصرة. واللغة كانت ذات أثر كبير في الفقه والأصول والقراءآت والتفسير والحديث وغيرها؛ وقد تغلغل أثرها في سائر المجالات الثقافية والمعرفية. والقول بعدم انحصار التوافق بين"لسان القرآن"و"لسان قريش"التي نزل القرآن المجيد موافقًا لها في بعض الوجوه وإليها ينتمي لسان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يفتح للتأويلات أبوابًا واسعة، ويجعل المرجعيَّة اللسانيَّة أمرًا مشاعًا بين القبائل والبطون، بل الشعوب المختلفة. وفي ذلك ما فيه و"لسان العرب"أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا [3] وكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بُعِثَ إلى الناس كافّة لا يمكن أن يقوم دليلًا على اشتمال القرآن على ألفاظ تُلمْلَم من ألسنة الشعوب المختلفة، وإلا لوجدنا فيه ألفاظًا صينية وفرنسية وروسية وإنكليزية ولم يقل أحد بذلك. فالثابت الذي لا مراء فيه أنه (عليه الصلاة والسلام) بُعث برسالة يتفق لسانها مع لسان قريش خاصّة؛ فهم قومه ولسانهم لسانه. وإذا كانت الحكمة الإلهيَّة قد اقتضت أن تختلف ألسنة الأمم والشعوب بما لا يفهمه بعضهم عن بعض إلا بالتعليم آيةً من آياته -جل شأنه- فلابد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض؛ فيتعلم من لا ينطق بذلك اللسان منه ما هو بحاجة إليه؛ فعلى كل
(1) - انظر المحصول (1/ 390) وما بعدها، طبعة مؤسسة الرسالة، وكذلك هامش المحصول (1/ 408) .
(2) - راجع كتابنا"أصول الفقه: منهج بحث ومعرفة"طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1993، ص 39. وكذلك تاريخ المذاهب الإسلامية، للشيخ محمد أبو زهرة، طبعة دار الفكر العربي، 1968، ص 79.
(3) - راجع"الرسالة"للإمام للشافعي، القاهرة: دار التراث، 1986، ص 49. وكذلك"العالمية الإسلامية الثانية""2/ 157 وما بعدها"لمحمد أبو القاسم حاج حمد، طبعة بيروت: دار ابن حزم، 1989.