اللغات المقتبس منها اللغة السريانية [1] . والغرض والتعصب الدينيّ ظاهر في دعوى الآباء المشار إليهم لتعزيز فكرة اقتباس القرآن من الكتب السابقة وبشريّته وبشرية الرسالة الإسلامية كلها. ومن الباحثين المعاصرين الذين قدّموا معالجة جادة لهذا الموضوع د. علي فهمي خشيم في بحثه:"هل في القرآن أعجمي؟ نظرة جديدة إلى موضوع قديم"، وهو بحث نشرته جمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا.
الخلاصة
تُرَى لو أن المسألة كانت بحثًا لغويًّا مجردًا هل كان سينال كل هذه العناية والاهتمام لدى المتقدمين والمتأخرين؟ إن توافق اللُّغات أو اقتباس بعضها من بعض ليس بالأمر العجيب أو المستغرَب، خاصة إذا كانت لغاتٍ من عائلة واحدة كاللّغات الساميَّة، لكن من البيّن أن هذه المسألة قد أُثيرت في دائرة السجال والجدل والصراع التي برزت في تلك المرحلة، وانعكست على جوانب عديدة من حياة الأمة السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية. وزاد من تعقيد المسألة وتحويلها إلى قضية من قضايا السجال والجدل والصراع ظهور ما عرف بـ"الأفكار الشعوبَّية"التي كان من بين بعض أهم أسبابها وجود العرب واستئثارهم بالسلطة السياسية خاصة في العهد الأموي، وانصراف الموالي (أي: غير العرب) كما كانوا يُسمّون في تلك المرحلة، إلى العلم والمعرفة لبناء"سلطة معرفية"إن لم تفُق السلطة السياسية وتتقدم عليها فلا أقل من أن تكافئها (وإذا كانت السلطة السياسية تمثل جانب القوة فإن السلطة العلمية والمعرفية تهيمن على الشرعية السياسية) أو توازيها. وانفتاح العقل المسلم لم يضع أية قيود على البحث العلمي والمعرفي. وقد يدل لما ذهبنا إليه منهجُ الإمام الشافعي في تناول الموضوع، كما يتضح من نصه في الرسالة [2] .
الانقسامات وأثرها في ذلك:
إن الانقسامات التي كانت سائدة شملت القضايا الاعتقادية؛ لتظهر"القدرية والجبرية والخوارج والشيعة والمعتزلة"، وتتابعت السلسلة، وكل تلك الفرق كانت في حاجة إلى تعزيز
(1) - ذهب سليم مطر في كتابه"الذات الجريحة"إلى أن البيض يسمون"مماليك"والسود يسمون"عبيد"، وهو ما لم أطلع عليه عند غيره، راجع سليم مطر"الذات الجريحة، ص 229، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997."
(2) - راجع:"الرسالة"للشافعي، القاهرة: دار التراث، 1986، تحقيق أحمد محمد شاكر ص 130 وما بعدها.