الصفحة 37 من 50

الخامس- أن مقدار إفهام المخاطبين به ابتداءً لا يقضي إلا أن يكون المعنى الأصليُّ مفهومًا لديهم، فأما ما زاد على المعاني الأساسيَّة فقد يتهيأ لفهمه أقوام، وربَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه.

السادس- أن عدم تكلُّم السلف عليها إن كان فيما ليس راجعًا إلى مقاصده فنحن نساعد عليه، وإن كان فيما يرجع إليها فلا نسلّم وقوفهم فيها عند ظواهر الآيات، بل قد بينَّوا وفصّلوا وفرَّعوا في علوم عُنوا بها. ولا يمنعنا ذلك أن نقفّي على آثارهم في علوم أخرى راجعة لخدمة المقاصد القرآنيَّة أو لبيان سعة العلوم الإسلامية، أما ما وراء ذلك فإن كان ذكرُه لإيضاح المعنى فذلك تابع للتفسير أيضًا، لأن العلوم العقلية إنما تبحث عن أحوال الأشياء على ما هي عليه، وإن كان فيما زاد على ذلك، فذلك ليس من التفسير لكنه تكملة للمباحث العلمية واستطراد في العلم لمناسبة التفسير ليكون متعاطي التفسير أوسع قريحة في العلوم [1] 1 هـ.

تبيَّن ممَّا تقدم واتّضح معنى"الأمّيّ"في اصطلاح القرآن وأنَّه غير الكتابيّ، أو من لا كتاب له ولا رسول؛ وبذلك يتضح لنا أن المسألتين وما شاد أبو إسحاق الشاطبي من بناء عليهما لا دلالة فيهما على ما أراده؛ لأن ذلك البناء -كله- قد قام على افتراض أن لا معنى"للأمّيّ"إلا من لا يقرأ أو لا يكتب، وقد تبين لنا ما فيه، ويكون وصف أهم وأعظم الشرائع الموحاة بالأمّية وصفًا يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر في نور هداية القرآن الكريم. فالقرآن كريم لا يبخل على أحد بفضله ونواله، ويستطيع الناس على اختلاف مستوياتهم أن ينهلوا منه، وهو لا يردُّ أحدًا خائبًا لكن لا يمكن أن يكون فهمُ الأئمة المجتهدين منه مثل فهم عامة الناس، فهناك أئمة يستنبطون من الآية الواحدة عشرات، بل مئآت المسائل، وهناك من يكتفي بفهم ما يتبادر إلى ذهنه منها وهو يسير، بل إن الشخص الواحد قد يقرأ السورة فلا يخرج منها بكثير، ثم يقرؤها ثانية وثالثة وعاشرة متدبّرًا فيفتح الله عليه بمعانٍ لم يخطر على باله شيء منها في قراءته الأولى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} "الإسراء:20".

سادسًا- تحدي القرآن للعالمين كافة، وثبوت عجزهم إنسًا وجنًّا على أن يأتوا بمثل سورة من سوره. والتحدي باتفاق علماء الأمة شامل للفظ والنظْم والأسلوب والمعنى، فلو كان بدو

(1) - المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت