المراد بالأميين الشعوبُ التي لم تتلق كتابًا قبل القرآن ولا رسالة قيبل رسالة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وخاتم النبيين، ونقل الأصبهانيُّ في المفردات عن الفّراء قوله:"هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب" [1] .
فإن قيل: لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره أو المتبادر إلى الذهن منه إلا بقرينة. قلنا: ما أكثر القرائن على هذا:
1 -القرينة الأولى- أنه جعل"الأمييِّن"في مقابلة"أهل الكتاب"ولم يجعلهم في مقابلة"المتقنين للقراءة والكتابة"كما مرَّ ذكره عن ابن تيمية في استشهاده بقوله سبحانه: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا} "آل عمران:20"فالله تعالى بعث رسوله والناسُ صنفان -كما قال الإمام الشافعي [2] -"أهل كتاب بدّلوا، وأميُّون لم يؤتوا كتابا كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله". وهذه قرينة كافية لجعل"الأمّيّ"بمعنى من لا كتاب له مقابل الكتابي الذي أنعم الله عليه بكتاب.
2 -وقول الكتابيين: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} "آل عمران:75"مع قولهم لبعضهم {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} "البقرة:76"فالّذين فتح الله عليهم بكتاب صاروا يتواصَون بكتمانه عن أولئك الأمّيين الذين تبرءوا منهم، ومن أية مسئولية عن دعوتهم أو النصح لهم، أو الوفاء لهم بعقودهم وعهودهم معهم، وذلك يدل على أن المحور الذي يدور حوله كل شيء هو"الكتاب"وليس"الكتابة".
3 -قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} "الأنعام:155 - 157"، فهذه الآيات صريحة بأن ما كان العرب وغيرهم من الشعوب الأميَّة يتطلعون إليه ويتمنَّونه إنما هو نزول كتاب عليهم يجعلهم قادرين على التفوّق على أهل الكتاب من الطائفتين اليهود والنصارى في مجالات الهداية، لا تعلُّم القراءة والكتابة
(1) - راجع المفردات للأصبهاني مادة"أم".
(2) - راجع الرسالة، للإمام الشافعي، ص 8 وما بعدها.