يقدم للبشريَّة رؤى متجدّدة، فالقرآن مثل الكون كلَّما تطورت مناهج البحث فيه، والتدبُّر لآياته تكشف عن مكنونات جديدة.
وهنا نود أن نثير تساؤلًا آخر، وهو: هل ما يتكشَّف القرآن عنه عبر العصور وفق تطوُّرات المناهج المعرفيَّة والبحثيَّة سوف يكون مناقضًا للتفسير وعلوم القرآن، وما استفاده أسلافنا منه من معايير وفقًا لسقوفهم المعرفيَّة؟! أو هل أنّه يحتِّم استبدال ما انتجوا؟! بما أنتجنا. وهنا أود أن أؤكد أن ما يتكتشّف عنه القرآن عبر العصور يؤدي إلى تواصل الأجيال، وتراكم معرفيّ يمكن الاستفادة به والبناء عليه. فما يتكشف القرآن المكنون عبر العصور عنه ما هو إلا جزء من مكنونه، وقبس من فضائه، ووجه من وجوهه المكنونة فلا يمكن أن يقع تعارض بين ثبات وتنوع وتعدد المعاني التي يتكشف عنها عبر العصور. والمعاني ... و الوجوه المكتشفة بمناهج ووسائل معرفيَّة مغايرة يمكنها أن تتعايش، وتشكل رصيدًا مفاهيميًّا للبشريّة يستجيب لاحتياجاتها بحسب تنوع الظروف والحاجات ووفقًا لمنهج أسسه القرآن ذاته يستطيع أن يستجيب لحاجات مختلف الأنساق الثقافية والحضارية.
وهنا تبدو جهالة أولئك الذين يرددون أن"لسان القرآن عربيٌّ ولسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عربيٌّ كذلك، وما دام الأمر كذلك فإن جهلهم قد أوحى لهم ومعه شياطينهم بأن هذا القرآن خطاب منحصر في عصر النبي وبيئته، خاص بذلك العصر لا يتجاوزه إلى سواه أو أنه خطابٌ عربيٌ محض لا يجوز أن يتجاوز العرب بحال."
إن هذه الحلقة تحاول أن تزيل كثيرًا من اللبس الذي أحاط البعض به"لسان القرآن"سائلين الله -تعالى- أن يوفقنا لجلاء هذا الأمر، ويشرفنا بخدمة القرآن، ويشفّعه فينا ويحشرنا تحت لوائه. إنه سميع مجيب.
كتبه
طه جابر العلواني