الصفحة 20 من 50

وقد اختلف في سبب تسمية العرب باسمهم هذا؛ فقيل: لإعراب لسانهم بمعنى إيضاحه ووضوحه وبيانه؛ ولذلك عُدَّ اللسانُ العربي أشرفَ الألسن وأوضحها وأعربها عن المراد بوجوه من البيان والبديع والمعاني والاختصار والإيجاز والإطناب والكناية والمجاز والحقيقة والمساواة. وقيل: لأن أولاد إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) نشأوا في عربة، وهي من تهامة، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"خمسة أنبياء من العرب؛ هم محمد وإسماعيل وشعيب وصالح وهود"، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها بحدودها المعروفة، ونطق بلسان أهلها فهم"عرب" [1] .

وقد ذكر ابن تيمية [2] أن اسم"العرب"في الأصل كان اسمًا لمن جمعوا ثلاثة أوصاف أحدها- أن لسانهم كان باللغة العربية، الثاني- أنهم كانوا من أولاد العرب، والثالث- أن مساكنهم كانت أرض العرب، وهي جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة، ومن أقصى حِجْر باليمن إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث النبويّ وقبله. فلما جاء الإسلام وفتحت الأمصار سكنوا سائر البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإلى سواحل الشام وأرمينية، وهذه كانت مساكن فارس والروم والبربر وغيرهم، ثم انقسمت هذه البلاد قسمين؛ منها: ما غلب على أهله لسان العرب، حتى لا تعرف عامّتهم غيره، أو يعرفونه وغيره، مع ما دخل على لسان العرب من اللّحن، وهذه غالب مساكن الشام والعراق ومصر والأندلس، ونحو ذلك، وأظنّ أرض فارس وخراسان كانت هكذا قديمًا.

ومنها: ما العُجْمة كثيرة فيهم أو غالبة عليهم، كبلاد الترك وخراسان وأرمينية وأذربيجان ونحو ذلك، فهذه البقاع انقسمت إلى ما هو"عربيّ"ابتداء، وما هو عربي انتقالًا، وإلى ما هو عجميّ، وكذلك الأنساب صارت ثلاثة أقسام: قوم هم نسل العرب، وهم باقون على العربية لسانًا ودارًا، أو لسانًا لا دارًا. أو دارًا لا لسانًا [3] . وقوم من نسل العرب، بل من نسل هاشم، ثم صارت العربيّة لسانهم ودارهم، أو أحدهما، وقوم مجهولو الأصل لا يدرون: أمن

(1) - راجع القاموس وشرحه تاج العروس"باب الياء فصل العين"والحديث كما رواه ابن حبان (الإحسان: 362) عن حديث أبي ذر الطويل:"منهم أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر"ضعيف: فيه إيراهيم بن هشام بن يحيب الغساني"منهم"ومن طريق آخر نقله السيرخي في البدر المنثور عن ابن عساكر عن نوف الشامي بلفظ"خمسة من الأنبياء من العرب"محمد ونوح وهود وصالح وشعيب"الدر المثور (3/ 480) ومع ذلك لم يرد فيه ذكر إسماعيل عليه السلام."

(2) - راجع اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية (161،162) .

(3) - المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت