فمن قرأ (هل تَسْتَطِيعُ رَبَّك) . فالمعنى هل تستدعي إِجَابَتَه وطاعَتَه في
أن يُنْزِلَ علينا، ومن قراها (هل يَستَطيعُ رَبُّك) كان معناه هل يقدر ربُّك.
قال أبو إسحاق: وليس المعنى عندي - واللَّه أعلم - أنهم جهلوا أن اللَّه
يقدر على أن ينزل مائدة، ولكن وجه السؤال هل ترينا أنت أن ربَّك يُرينَا ما
سَألنَا من أجلِكَ من آياتك التي تدل على نبوتك.
فأمَّا المائدة فقال أبو عبيدة: إنها في المعنى مَفعُولة ولفظها فاعلة، قال: وهي مثل عِيشَةٍ راضية، وقال إِن المائدة من العطاءِ، والممتاد المفتَعل المطلوب منه العطاءَ.
قال الشاعر:
إِنَي أميرُ المؤْمِنين المُمتَاد
وَمَادَ زيد عمراً إذا أعطاه. والأصل عندي في مائدة أنها فاعلة من ماد
يميدُ إِذَا تحرَّكَ فكأنَّها تميد بما عليها.
وقيل في التفسير إِنها أنزلت عليهم في يوم الأحد وكان عليها خبز
وسمك، فالنصارى تجعل الأحد عيدا - فيما قيل - لذلك.
وقال بعضهم إِنها لم تنْزَل للتَّهَوُّدِ الذي وقع في الكفر بعد نزولها، والأشبه أن تكون لأن نزولَها قد جَاءَ ذكره في هَذِه القِصةِ.
قال اللَّه عزَّ وجلَّ: (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ)
وقال غير أهل الِإسلام إِنها نزلت، والأخبار أنها انتهت، فالتصديق بها
واجب.
فأمَّا وجه مَسْألةِ الحواريين عيسى المائدة فيحمل ضربين أحدهما أن
يكُونوا ازْدَادُوا تثبيتاً، كما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) .
وجائز أن تكون مسألتهم المائدة قبل علمهم أنه أبرأ الأكمه والأبرص وأنَّه أحيا الموتى.
وأما قول عيسى للحواريين:
(اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
فإِنَّما أمَرهم ألَّا يقترحوا هم الآيات، وألَّا يقوموا بين يدي الله ورسوله.
لأن الله قد أراهم الآيات والبراهين بإحياءِ الموتى وهو أوكد فيما سألوا
وطلبوا.