قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ هو مما الطريق إلى العلم به الاستدلال لا المشاهدة، فهذا ونحوه مما لم يكثر في معلومهم أشباهه فهم ينبهون عليه
ابتداء من غير تقديم تنبيه على شيء مثله مما قبله. فإن عارض معارض بقوله تعالى:
{أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ} وقال: هذا من القسم الذي يشاهد وحقه أن يكون كقوله: {أَوَلَمْ} كما كان {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ}
وهما في شيء واحد فما بالهما اختلفا من حيث وجب أن يتفقا؟ والانفصال أن يقال:
إنا عللنا موضع {أَلَمْ} بما يوجب أن يكون هذا الموضع من أماكنها، ألا ترى أنا قلنا:
هو كل موضع ينبهون عليه ابتداء من غير تنبيه على شيء مثله مما قبله فعللنا المشاهدات بما يخرج هذا عنها لأن قبل هذه الآية: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ} فبنيت هذه الآية على الآية التي أخبر الله فيها عن أول أحوال الإنسان، وأنه أخرجهم أطفالا صغارا من بطون أمهاتهم لا يعلمون منافعهم فيقصدوها ولا مضارهم فيجتنبوها، ثم بصرهم حتى عرفوا ونبههم على ما يشاهده كل حي من تصرف الطير في الهواء وعجزه عن مثل ذلك، وكان هذا مقرونا بأولى الأحوال ولم يتقدمه أمثال له يقع التنبيه عليها قبله، فيكون في حكم ما يعطف على ما تقدمه، فإن عارض بقوله عز وجلّ: