فهرس الكتاب
ثم قال: فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا - وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، والثاني عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم المنسوخ، وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة -
وقد فرع شيخ الإسلام هذه الأسباب إلى عشرة فصل القول فيها، ثم قال: فهذه الأسباب العشرة ظاهرة، وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث، لم نطلع نحن عليها، فإن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته، وقد لا يبديها، وإذا أبداها، قد تبلغنا وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا، فقد ندرك موضع احتجاجه، وقد لا ندركه، سواء كانت الحجة صوابا في نفس الأمر أم لا -
وإذا كان الترك يكون لبعض هذه الأسباب، فإذا جاء حديث صحيح فيه تحليل أو تحريم أو حكم، فلا يجوز أن يعتقد أن التارك له ـ من العلماء الذين وصفنا أسباب تركهم ـ يعاقب لكونه حلل الحرام، أو حرم الحلال، أو حكم بغير ما أنزل الله، وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل من لعنة أو غضب أو عذاب ونحو ذلك، فلا يجوز أن يقول: إن ذلك العالم الذي أباح هذا أو فعله داخل في هذا الوعيد، وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافا، إلا شيئا عن بعض معتزلة بغداد، مثل المريسي وأضرابه أنهم زعموا أن المخطئ من المجتهدين يعاقب على خطئه، وهذا لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم أو بتمكنه من العلم بالتحريم -