قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لعدمهم في ذلك الوقت ، فإن قيل خاطبهم وأمرهم بشرط الوجود فذلك يبعد في هذه النازلة لأن الأمر بشرط الوجود إنما يصح إذا ترتب على المأمور بعد وجوده وصح معناه عليه كالصلاة والصوم ونحو ذلك ، وأما هنا فإن معنى الهبوط لا يتصور في بني آدم بعد وجودهم ولا يتعلق بهم من الأمر به شيء ، وأما قوله في آية أخرى {اهبطا} [طه: 123] فهي مخاطبة لآدم وإبليس بدليل بيانه العداوة بينهما ، وعدو فرد بمعنى الجمع ، تقول قوم عدو وقوم صديق ، ومنه قول الشاعر:
لعمري لئن كنتم على النأي والغنى... بكم مثل ما بي إنكم لصديق
وعداوة الحياة معروفة ، وروى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم"ما سالمناهن منذ حاربناهن"، وقال عبد الله بن عمر:"من تركهن فليس منا"، وقالت عائشة"من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
قال القاضي أبو محمد: وإنما يعرض في أمرهن حديث الفتى في غزوة الخندق ، وقول النبي عليه السلام: إن جناً بالمدينة قد أسلموا فمن رأى من هذه الحيات شيئاً في بيته فليحرج عليه ثلاثاً فإن رآه بعد ذلك فليقتله فإنما هو كافر.
وقوله تعالى: {مستقر} لفظ عام لزمن الحياة ولزمن الإقامة في القبور ، وبزمن الحياة فسر أبو العالية وقال: هي كقوله {الذي جعل لكم الأرض فراشاً} [البقرة: 22] وبالإقامة في القبور فسر ابن عباس واللفظ يعمهما فهي كقوله: {ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً} [المرسلات: 25] وأما"المتاع"فهو بحسب شخص شخص ، في زمن الحياة اللهم إلا أن يقدر سكنى القبر متاعاً بوجه ما ، و"المتاع"التمتع والنيل من الفوائد ، و {إلى حين} هو بحسب الجملة قيام الساعة ، وبحسب مفرد بلوغ الأجل والموت ، والحين في كلام العرب الوقت غير معين.