ويأتي الحق بعد ذلك بخبر المعجزات: وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر .
و"استسقى"المراد منه هو طلب السقيا ، والسقيا هي طلب الماء الذي يمنع على الإِنسان العطش ، وما دام قد طلبوا السقيا فلابد أنهم يعانون من ظمأ ، كأنهم في التيه . وأراد الله سبحانه أن يبرز لهم نعمه وقت الحاجة ، فقد تركهم إلى أن عطشوا ليستسقوا وليشعروا بنعمة الرِّي .
والحق يقول: {إِذِ استسقاه قَوْمُهُ} ، أي طلبوا من سيدنا موسى أن يسأل الله السقيا . فلماذا لجأوا إلى موسى وقت الظمأ؟ وقال لهم موسى: ليس بذاتي أرويكم ، ولكن سأستسقي لكم ربي ، ونعلم أن مقومات الحياة بالترتيب الوجودي الاضطراري: الهواء والماء والطعام . وساعة ترى"همزة"وسيناً"وتاء"واقعة على شيء من الأشياء فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه .
مثال ذلك: حين سار موسى والعبد الصالح ونزلا قرية استطعما أهلها ، أي طلبا طعاماً وهذا هو المقوم الثالث للحياة . وهنا"استسقى"أي طلب المقوم الثاني وهو الماء ، ونعلم أن المقوم الأول وهو الهواء لا نستغني عنه . لذا لم يضعه الله في يد أحد بل أعطاه ومنحه كل الخلق .
ولما كان الهواء غير مملوك وهو مشاع ؛ لذلك لم توجد فيه هذه العملية . إنما الطعام يُمكن أن يُملك ، والماء يُمكن أن يُملك ، فقال سبحانه مرة"استطعم"، وقال هنا"استسقى"، ولم يوجد"استهوى"لطلب الهواء ، لكن وجد في القرآن"استهوى"بمعنى طلب أن تكون على هواه: {استهوته الشياطين ...} [الأنعام: 71]
أي طلبت الشياطين أن يكون هواه ومراده تبعاً لما يريدون لا لما يريده الله .