الرابع: روي عن عطاء أن حُكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} ، قال الحاكم: إذا أمكن الجمع فلا نسخ وأقول: كنا أسلفنا أن السلف كثيراً ما يعنون بالنسخ تقييد المطلق، أو تخصيص العام، فلا ينافي كونها محكمة إطلاقهم النسخ عليها.
قال بعض الأئمة: هذا الآية عامة تقضي بوجوب المصابرة، وإن تضاعف عدد المشركين أضعافاً كثيرة، لكن هذا العموم مخصوص بقوله تعالى في السورة هذه: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا
أَلْفا.
وعن ابن عباس: من فرّ من اثنين فقد فرّ، ومن فرّ من ثلاثة فلم يفرّ.
وبالجملة، فلا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف، فإن هذه الآية مقيدة بها، فيكون الفرار من الزحف محرماً بشرط بينه الله في آية الضعف.
وفي"المهذب": إن زاد عددهم على مثلي عدد المسلمين، جاز الفرار، لكن إن غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون، فالأفضل الثبات، وإن ظنوا الهلاك، فوجهان: يلزم الإنصراف لقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} .
والثاني: يستحب ولا يجب، لأنهم إن قُتلوا فازوا بالشهادة وإن لم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، فإن لم يظنوا الهلاك لم يجز الفرار، وإن ظنوه فوجهان:
يجوز لقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} .
ولا يجوز، وصححوه لظاهر الآية. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 8 صـ 274 - 276}