وما حرَّم الله ، فهذا لا يُحَرِّمُه أحد ، وتَعَلُّقُ أربابِ السماع الفِسقى به كتعلق مَن يستحِلُّ شُربَ الخمر المسكر قياساً على أكل العنب ، وشرب العصير الذي لا يُسْكِر ، ونحو هذا من القياسات التي تشبه قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.
ومنها: استماعُ النبي صلى الله عليه وسلم مدحَ المادحين له ، وتركُ الإنكار عليهم ، ولا يَصِحُّ قياسُ غيره عليه فِي هذا ، لما بين المادحين والممدوحين من الفروق ، وقد قال:"احْثُوا فِي وُجُوه المَدَّاحِينَ التُّرابَ".
ومنها: ما اشتملت عليه قصةُ الثلاثة الذين خُلِّفُوا مِن الحِكَم والفوائد الجمَّة ، فنشيرُ إلى بعضُها:
فمنها: جوازُ إخبار الرجل عن تفريطه وتقصِيرِه فِي طاعة الله ورسوله ، وعن سبب ذلك ، وما آل إليه أمرُه ، وفى ذلك مِن التحذير والنصيحة ، وبيانِ طُرُقِ الخير والشر ، وما يترتب عليها ما هو من أهم الأُمور.
ومنها: جوازُ مدح الإنسان نفسه بما فيه من الخير إذا لم يكن على سبيل الفخر والترفع.
ومنها: تسلية الإنسان نفسَه عما لم يُقدَّر له من الخير بِما قُدِّر له مِن نظيره أو خير منه.
ومنها: أن بَيْعةَ العَقَبَةِ كانت مِن أفضل مشاهد الصحابة ، حتى إن كعباً كان لا يراها دونَ مشهد بدر.
ومنها: أن الإمام إذا رأى المصلحة فِي أن يستر عن رعيته بعضَ ما يهم به ويقصِدُه من العدو ، ويُورِّى به عنه ، استُحِبَّ له ذلك ، أو يتعين بحسب المصلحة.
ومنها أن السِّترَ والكِتمان إذا تضمن مفسدة ، لم يجز.
ومنها: أن الجيشَ فِي حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لهم دِيوان ، وأول مَن دوَّن الدِّيوان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهذا مِن سُنَّته التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعها ، وظهرت مصلحتُها ، وحاجةُ المسلمين إليها.